التطبيع مع الاحتلال.. أسئلة برسم الإجابة

تاريخ الإضافة الجمعة 9 تشرين الثاني 2018 - 1:00 م    عدد الزيارات 564    التعليقات 0     القسم مقالات

        


عصام يوسف

رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة

لم يكن ليخطر ببال أي عربي أو مسلم أن يأتي اليوم الذي تقاس به مسارات التطبيع مع العدو الصهيوني بمقياس "مطاطي" يبرر حالة الهرولة إلى حضن الاحتلال بحسب "الحاجة" لذلك، وبالتماهي مع ما تتطلبه المرحلة التاريخية.

حالة التوجس المتصاعدة هذه يعبر عنها استسهال عدد من العواصم العربية، مؤخراً، الجهر بزيارات رسمية لمسؤولين سياسيين وأمنيين، ووفود رياضية واقتصادية من دولة الاحتلال لهذه العواصم، بل وفتح الباب مشرعاً، غير موارب، لعلاقات واسعة في العلن يجري البحث فيها بشكل جدي.

 

هذه التطورات تجعل المواطن العربي يقف مشدوهاً حين يرى مسؤولاً صهيونياً يهبط في مطار دولة عربية، أو عند نشر وسائل الإعلام صوره إلى جوار زعيم عربي، ربما لأسباب عديدة من أهمها أن هذه الدولة العربية ضلت على مدى عقود ترفع شعار الرفض لأية علاقات مع دولة الاحتلال التي تسلب الأرض العربية، وتحرم الشقيق الفلسطيني من حريته، وتنتهك كرامته، وقبل هذا وذاك رفض مسؤوليها مصافحة أيدي قادة الاحتلال الملطخة بدماء الأطفال الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني.

 

إلا أن أبواق الإعلام التي تروج لوجهة نظر المطبعين، تسعى للالتفاف على ما راكمه الوعي العربي من صورة العدو الأول والمركزي للشعوب وللأمة والأرض والتاريخ، من خلال روايات بائسة تتراوح بين الواقع الجديد الذي تفرضه ظروف التحالفات الطارئة من أجل التصدي للخطر الإيراني الداهم، وبين رواية مفادها أن الفلسطينيين عبر "السلطة الوطنية" قد سبقوهم في التعاون مع الاحتلال، كنتيجة أفرزها اتفاق أوسلو عام 1993.

 

محاولات الالتفاف تلك هدفها استبدال مفاهيم وثوابت في العقل العربي تتعلق بالنظرة والمعتقد تجاه عدو تاريخي، مارس ولا يزال يمارس إجرامه بحق أبناء الشعب الفلسطيني، إضافة للشعوب العربية، دون أدنى احترام لسيادة البلدان العربية، حيث تطغى عنجهيته وعنصريته على سلوكياته المتعجرفة، والمنفلتة أخلاقياً وإنسانياً.

ومع محاولات توسيع دائرة التطبيع لدى قادة ومسؤولين عرب مع دولة الاحتلال، تقف الشعوب العربية المترعة بالوعي السياسي والتاريخي، متحفزةً للتصدي لمن يسعون لترويضها وتغيير جلدها، تطرح أسئلتها حول أنماط "التفكير الاستراتيجي" الذي يدعيه المطبعون، سيما العواصم البعيدة جغرافياً عن حدود دولة الاحتلال، وغير المضطرة للاستعجال في تأسيس العلاقات مع الكيان الإسرائيلي الغاصب.

 

كما تطرح الشعوب العربية التي كانت دوماً تمثل حالة الوعي المتقدم على قياداتها في مراحل كثيرة، سؤالاً مهماً حول جدوى هذه العلاقات، وما يمكن أن تضيفه خاصةً وأن الحديث يتعلق بالعلاقة مع كيان مصطنع، يحاول منذ عقود ترسيخ نفسه عن طريق تطويع التاريخ والجغرافيا، وإجبارهما على اتخاذ مسارات غير مساراتهما الحقيقية، بغرض تكريس شرعيته، وفرض نفسه على دول وشعوب المنطقة.

 

إضافة لذلك، لا بد للشعوب العربية أن تستهجن شكل العلاقة المستقبلية مع دولة تأسست على أنقاض شعب له كيانه وتاريخه وهويته وحضارته، حيث يحق لها أن تتساءل عن كيفية استساغة بناء علاقات وفتح قنوات مع دولة ليس لها من تاريخ سوى ذاك الرصيد من القتل والتشريد وانتهاك حقوق الإنسان، وتحكمها في الوقت ذاته عقلية عنصرية استعمارية، إضافة لكونها استعلائية على شعوب المنطقة، بل والعالم، تسعى للهيمنة والسيطرة على الشعوب ومقدراتها.

تبقى الأسئلة برسم الإجابة، غير أنه ما من شك أن التطبيع إذا ما تم بأي شكل من الأشكال، لن يصل رجسه إلى الشعوب العربية التي كانت دوما السد المانع لمحاولات التغلغل الصهيوني في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولا بد لهذه الشعوب المعوّل عليها من خلال وعيها العميق بكينونتها وتاريخها وحضارتها أن تعزل موجات التطبيع الحاصلة والمقبلة، وتضع لها حداً.

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

السالكون في طريق الشهادة

الخميس 13 كانون الأول 2018 - 4:45 م

هناك على هذه الأرض المباركة تشتعل معركةٌ من نوع آخر، معركة صبرٍ وثبات وعقيدة، معركة تشكل إرادة المواجهة عنوانها الأسمى والأمثل. فكسر القواعد المفروضة وتغيير الواقع المفروض عليهم، هي أبرز التجليات لأفع… تتمة »