الاحتلال قلقٌ من الضّفّة.. وفاشل في غزّة

تاريخ الإضافة الأربعاء 14 تشرين الثاني 2018 - 2:00 م    عدد الزيارات 566    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

 

لا يمكن الناظر إلى الضفة الغربية المحتلة أن يصف الوضع بالهادئ، أو بالمريح للاحتلال، ولا أدلّ على ذلك من حالة التأهب المستمرة، والعيون المترقّبة، وحملات الاعتقال التي تشنها قوات الاحتلال يوميًا بين صفوف الفلسطينيين، علاوة على التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية لتأخير تفجّر الوضع في الضفة على شكل هبة شعبية أو انتفاضة شاملة، يعلم أنّها لا محالة قادمة.

 

والاحتلال عالق اليوم في الضفة بين مطرقة وسندان: فبالنّظر إلى أرقام العمل المقاوم في الأشهر العشرة الأولى من عام 2018، يبيّن تقرير صادر عن مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني أنّ 11 مستوطنًا قتلوا في عمليات للمقاومة في الأشهر التي يغطيها التقرير، أي بمعدل مستوطن شهريًا، فيما أصيب 159 مستوطنًا بجروح. ونفّذ الفلسطينيون 4367 عملاً مقاومًا في الضفة، بما فيها شرق القدس، بين عمليات نوعية ومواجهات يومية مع قوات الاحتلال، وذلك في ما يمكن وصفه بعملية استنزاف للاحتلال، على المستويين المادي والمعنوي.

 

الرغم من الإجراءات "الأمنية" التي نفذها الاحتلال في الضفة، فقد سجلت 40 عملية إطلاق نار، و33 عملية طعن ومحاولة طعن، و15 عملية دهس ومحاولة دهس، و53 عملية لإلقاء أو زرع عبوات ناسفة، و262 عملية إلقاء زجاجات حارقة صوب آليات الاحتلال العسكريّة ومستوطنيه، علاوة على 1779 مواجهة مع قوات الاحتلال في نقاط مختلفة من الضفة، بما فيها شرق القدس، وغيرها من أعمال المقاومة الشعبية. وكان أعلى معدل للمواجهات في محافظات رام الله، والقدس، والخليل.

 

وفي المقابل، قال نداف أرجمان، رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك"، في افتتاح جلسة الأمن في "الكنيست" في 6/11/2018، إنّ الجهاز أحبط 480 عملية خلال العام، واعتقل 500 فلسطيني مجهزين لتنفيذ عمليات فردية. وقد يريد أرجمان بذلك أن يفاخر بنجاح جهازه بإحباط عمليات ضدّ الاحتلال قبل وقوعها، ويمكن بالفعل القول إنّ ذلك دليل نجاح العمل الاستخباري، مدعومًا بالتّنسيق الأمني، ولكنّه في الوقت ذاته دليل على فشل قمع إرادة المقاومة لدى الفلسطينيين على الرّغم من الإجراءات التي اتّخذها الاحتلال لمنع تنفيذ عمليات تستهدفه، علاوة على سياسة العقاب الجماعي التي يفرضها على عوائل منفذي العمليات، بهدف ضرب الحاضنة الشعبية وخلق حالة من الردع تمنع التفكير في العمل المقاوم على اعتبار كلفته العالية.

وبموازاة ذلك، ثمّة مخاوف لدى جيش الاحتلال من إمكانية تفجّر الوضع في الضفة. وفي هذا السياق، أشار ألون بن دافيد، الكاتب في صحيفة "معاريف" العبرية، عن تحذير استراتيجي صدر عن مخابرات جيش الاحتلال وتبنّاه رئيس الأركان، يشير إلى أنّ اليأس وغياب الأفق الدبلوماسي والضائقة الاقتصادية، إضافة إلى محاولات حركة حماس نقل النزاع من غزة إلى الضفة يمكن أن يؤدّي إلى حريق عام أو "موجة أخرى من الإرهاب". ويتقاطع هذا الاتجاه مع ما ذهب إليه أرجمان في افتتاح جلسة الأمن بـ "الكنيست" لجهة القول بأنّ الواقع في الضفة هادئ نسبيًا لكنه يغلي تحت الأرض وآخذ بالتوتر. ووفق بن دافيد، فإنّ ما يمكن أن يفجّر الوضع، وفق الجيش و"الشاباك"، هجوم إرهابي خطير من قبل اليهود، أو حادث خطير في المسجد الأقصى، أو سلسلة من الهجمات الفردية القاتلة التي من شأنها تسريع هذه الظّاهرة مرة أخرى.

 

ويمكن أن نضيف إلى الأسباب والاحتمالات والسيناريوهات التي تقلق الاحتلال حالة المطارد أشرف نعالوة الذي عجزت أجهزة الاحتلال عن الوصول إليه بعد حوالي شهر من تنفيذه عملية فدائية ونجاحه في الانسحاب والتواري عن الأنظار. وكان نعالوة نفّذ عملية إطلاق نار في مستوطنة بركان المقامة على أراضي الفلسطينيين في سلفيت بالضفة المحتلة، في 7/10/2018، أدّت إلى مقتل مستوطنين وجرح آخرَين. وما يؤرّق الاحتلال هو الخشية من تحوّل نعالوة إلى نموذج في قدرة فرد واحد على استنزاف الاحتلال، وتحوّله إلى محطّ سخرية بعدما استنفر الآلاف من جنوده في عمليات بحث كلّفت الملايين من الشواكل. كذلك، فإنّ قدرة نعالوة على التخفّي تثير لدى الاحتلال المزيد من القلق من الاحتضان الشعبي الذي يرجّح أنّه أبرز العوامل التي حجبت نعالوة عن عيون الاحتلال، وأعوانه، وهو يسعى إلى ردع الفلسطينيين عن مساعدته.

 

وإذ يحاول الاحتلال التّعامل مع الوضع المقلق في الضفة، فإنّه يبقى مسكونًا بالفشل في قطاع غزّة. وفيما مباحثات التهدئة تتقدّم أو تتأخّر، وفرصها تلوح أو تتضاءل، أقدم الاحتلال على تنفيذ توغّل في خان يونس، جنوب قطاع غزة المحاصر، وعلى ما يبدو فإنّ أعين المقاومة التي كانت متيقّظة أفشلت العملية التي قال عنها الاحتلال إنّها "كانت ستتمّ بهدوء لكنّها تعقّدت"، وقال بيان لجيش الاحتلال إنّ "القوّة الخاصة كانت تعمل في عمق القطاع للتعامل مع التهديدات ضدّ إسرائيل، ولم يكن هدفها القتل أو الاختطاف". وحتى إن لم يكشف الاحتلال عن الهدف الحقيقي من العملية، نظرًا إلى أنّ نتيجتها الأوّلية هي الفشل التام في مواجهة يقظة المقاومة، إلّا أنّ الواضح هو أنّه خسر جولة في حربه المستمرّة على القطاع في ظلّ خضوعه لمعادلة أرستها المقاومة، فاضطر إلى الانكفاء وتلمّس عدم التّصعيد، لا سيّما بعد عملية الباص وصواريخ المقاومة التي وصلت عسقلان وبئر السبع، وكانت جاهزة لاستهداف "تل أبيب".

 

يدرك الاحتلال أنّ الحال في الضفة سينفجر في وجهه عاجلاً أم آجلاً، وأنّ أيّ حرب يشنّها على قطاع غزّة لن تكون نزهة، ومع ذلك فهو يتمسّك بسياسة إدارة الصراع عوضًا عن حلّه، ولعلّه يدرك أنّ الحل الذي قد يرتضيه لن يرضى به الفلسطينيون المتمسّكون بأرضهم وحقّهم. وعلى أيّ حال، لا يكون التحرير من دون ثمن وتضحية لا يبخل بها الفلسطينيون؛ لكن ما هو مهمّ كذلك في هذه المعادلة هو ألا يكون الاحتلال من دون ثمن على المحتلّ، فقدره أن يرحل!

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

المقاومة في الضفة الغربية.. قراءة سياسية وإحصائية

التالي

مخيم شعفاط: ابتلاع السكين ذو الحدين

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

السالكون في طريق الشهادة

الخميس 13 كانون الأول 2018 - 4:45 م

هناك على هذه الأرض المباركة تشتعل معركةٌ من نوع آخر، معركة صبرٍ وثبات وعقيدة، معركة تشكل إرادة المواجهة عنوانها الأسمى والأمثل. فكسر القواعد المفروضة وتغيير الواقع المفروض عليهم، هي أبرز التجليات لأفع… تتمة »

براءة درزي

أشرف الموت قتل الشهادة!

الخميس 13 كانون الأول 2018 - 1:40 م

استشهد المطارد أشرف نعالوة الليلة الماضية في اشتباك مع قوات الاحتلال في مخيم عسكر الجديد شرق نابلس. استشهاد نعالوة يأتي بعد 65 يومًا من مطاردته وملاحقته من قبل قوات الاحتلال التي سخّرت عتادها وعديدها … تتمة »