ماذا خلف رفض الاحتلال القاطع لتقاسم المدينة المقدسة؟

تاريخ الإضافة الأربعاء 8 تشرين الأول 2008 - 8:59 م    عدد الزيارات 20067    التعليقات 0

        

يتابع المراقبون عن كثب التعثر الحاصل –المعلن على الأقل- في المفاوضات بين السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال، لاسيما في قضايا هامة ومركزية كالقدس واللاجئين، وينحصر حديثنا في السطور القادمة حول رفض الاحتلال لفكرة تقاسم المدينة المقدسة مع الفلسطينيين.

 

يرى الصهاينة، أو الغالبية الساحقة منهم، أنّ خطوة تقسيم المدينة، تحتوي على مخاطر كبيرة، وتجعلهم يخسرون الكثير من النقاط، وتعرّض الدولة للعديد من الإشكاليات، أهمها بقاء الأحياء العربية، حتى تلك الأحياء الصغيرة، من شأنها أن تعرّض سكان المدينة اليهود، خاصة أولئك القاطنين على خط التماس على حدود المدينة، لمخاطر أمنية صعبة ومحيطة بهم من كل جانب، وملخص هذه المخاطر أن هؤلاء السكان اليهود سيكونون عرضة لنيران القناصة العرب.

 

كما أنّ من المخاطر المتوقعة لتطبيق قرار تقسيم المدينة، قيام عشرات الآلاف من اليهود بهجرها والرحيل عنها، كما حصل بالضبط في أعقاب حرب عام 1948، وتقسيم المدينة آنذاك، حيث غادر المدينة في تلك المرحلة ما يقرب من 25 ألف يهودي، وهم ربع سكان المدينة اليهود تقريباً.

 

ويتوقع الخبراء الصهاينة بانتقال عشرات الآلاف من سكان المدينة العرب للسكن في الجانب الصهيوني من حدود المدينة التي ستغدو "مقسّمة"، وهي إمكانية واقعية وقائمة بالفعل، لاسيما أن بقاء الأحياء العربية في المدينة غدت تشكّل "أمراً واقعاً".

 

وقد دفع هذا الواقع الجديد بعشرات الآلاف من سكان المدينة الفلسطينيين للانتقال والإقامة في الجانب الصهيونيّ من الجدار، في ظل تراجع خيار تقسيم المدينة بصورة مقلصة، بفعل بناء الجدار الأمني الفاصل المحيط بمنطقة شمال المدينة.

 

وترجّح الدراسات العبريّة أنّ "إسرائيل" كدولة، ستجد صعوبة حقيقية في منع الهجرة الفلسطينية إلى داخل حدودها، لاسيما إذا تم حرف مسار الجدار الفاصل باتجاه الغرب والجنوب والشمال، باتجاه الأحياء السكنية اليهودية، وبالتالي فإنّ إمكانية معاودة هذه الهجرات من جديد أمر قابل للحدوث لذات الأسباب التي حدت بحدوث الهجرات السابقة.

 

وعلى الرغم من أنه على جانبيْ الفصل في المدينة المقدسة يتوقعون حدوث مكاسب اقتصادية وديموغرافية، لاسيما على صعيد تحلّل عرب شرقي القدس من الضرائب المختلفة، التي تتم جبايتها بواسطة سلسلة من الأوامر القضائية الاحتلاليّة، كما أنّ هذا التقسيم سيأتي بأضرار محدقة بالحق اليهودي للإقامة في المدينة المقدسة، ومسّاً خطيراً بما يسميه الكاتب "الجذور اليهودية" للمدينة.

 

المشكلة الديموغرافية

تشير الإحصائيات إلى أنّ معدل المواليد المرتفع في أوساط العرب المقدسيين يتساوى تقريباً مع معدّل المواليد اليهود، ما يؤثّر سلباً على الصورة الديموغرافية للمدينة، علماً بأنّ ذلك ليس السبب الوحيد للتقلّص الآخذ في التزايد بين الأوساط اليهودية.

 

وبالتالي فإنّ العنصر الأساسي الذي يؤثّر على تراجع نسبة السكان اليهود في المدينة المقدسة يتمثل في نسبة الهجرة اليهودية المرتفعة منها، فالإحصائيات المخيفة تشير إلى أنّ المعدل السنوي لهجرة اليهود منها تصل إلى 16 ألف يهودي، وخلال الـ20 سنة الماضية غادر القدس ما يقرب من 300 ألف يهودي.

 

تقترح بعض الأفكار الصهيونية سلسلةً من الخطوات التي يمكن اتّباعها لوقف معدل الهجرة هذا، فقد أُجريَت عدّة أبحاث واستطلاعات رأي في السابق، أوضحت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ الأسباب الرئيسة لهذه الظاهرة تكمن في صعوبة العثور على فرص عمل مناسبة لليهود من جهة، والارتفاع الباهظ في إيجارات الشقق السكنية.

 

جزءٌ من هذه التوصيات التي قدّمت للحكومات واللجان الوزارية تتلخّص في ضخّ المزيد من الأموال، لتثبيت العائلات اليهودية التي تشكو من ارتفاع باهظٍ في إيجارات السكن، ومحاولة توفير أكبر قدرٍ ممكن من الأرباح المالية لسكان المدينة من اليهود، لكن عدداً قليلاً من تلك التوصيات وجد طريقه للتنفيذ على أرض الواقع، والجزء الأعظم منها بقي حبراً على ورق حتى كتابة هذه السطور!

 

كما ترى أوساط أخرى أنّ جزءاً أساسياً من مهامها وضع سلسلة من الخطوات أمام صانع القرار في دولة الاحتلال قابلة للتنفيذ، من شأن تطبيقها إحداث تغيير جوهري ذي أثر ملموس على مسألة الهجرة اليهودية من المدينة، وصولاً إلى تغيير حقيقي في معدلات التفوق الديموغرافي التي تقف في صلب خطط تقسيم المدينة المقدسة.

 

البعد الأمني

هذا المحور من التفاوض يتركّز أساساً في تتبع الآثار الأمنية المترتبة على إمكانية اتخاذ قرار تقسيم المدينة، خاصة إمكانية إطلاق صواريخ وقذائف يحرص الفلسطينيون بصورة كبيرة على اقتنائها، واستُخدِم عددٌ منها مع بداية الانتفاضة في منطقة غيلو-بيت جالا.

 

ويحذّر المفاوضون الصهاينة من أنّ خطوة تقسيم المدينة ستكشف المزيد من التجمعات اليهودية أمام هذه القذائف ومطلقيها، وقد شهدت الفترة الماضية عدداً من هذه الحوادث على قلّتها، كما أنّ تقسيمها سيجعل جزءاً من هذه التجمعات السكانية اليهودية حتماً في مجال إطلاق قذائف الهاون، التي يعمل الفلسطينيون على تطويرها وتحسين قدراتها.

 

مدينة القدس، كونها المدينة التي تقع في صلب الصراع الديني القومي تحوّلت مع بداية سنوات الـ2000، إلى هدف مركزي للهجمات التفجيرية، وحصدت ثمناً باهظاً من سكان المدينة اليهود، 210 قتيلاً وآلاف الجرحى وإضراراً شديداً بمستوى المعيشة في المدينة.

 

ويستشهد المفاوضون الصهاينة بجملةٍ من التحقيقات الأمنية والاستخبارية التي أكّدت مشاركة واسعة لعرب شرقي القدس في هذه العمليات الفدائية خلال تلك السنوات، وبالتالي فإنّ المكافحة اللازمة لهذه المشاركة تحتّم العمل على الفصل بين الأحياء العربية في القدس ونظيرتها اليهودية، لأنّ هناك التصاقاً كبيراً بينها لا تتعدى في الكثير من المناطق العشرات والمئات من الأمتار فقط.

 

وبالتالي فإنّ خطوة إبعاد هذه الأحياء بعضها عن بعض ضرورية وملحة لأكثر من سبب، سواءً من أجل إحباط تلك العمليات من جهة، ومن جهة أخرى لتسهيل مهمة جمع المعلومات الاستخبارية، وثبت ذلك من خلال العديد من الحملات الأمنية التي قامت بها أجهزة الأمن في المدينة.

 

وتؤكّد أنّ التعامل مع المسألة الأمنية والمجموعات المسلحة في المدينة المقدسة لا يمكن إخراج مسألة تقسيمها إلى حيّز الوجود، كما أنّ ذلك ينطبق على تعاملها مع مسألة الحروب، ذلك أنّ الدفاع عن المدينة في حال اندلاع حروب مع جيوش نظامية تحتّم على دولة الاحتلال سيطرة مطلقة من قِبَل جيشها على تخوم المدينة أكثر من السيطرة الحالية.

 

الأماكن المقدسة

وفي إطار المحاولات السياسية الجارية لإمكانية تقسيم المدينة، تزعم الأوساط الصهيونية وجود مخاوف مما تسميه تراجع الحرية الدينية لرواد الأماكن المقدسة، سواء لليهود أو المسيحيين، لا سيما التي تخضع سياسياً مستقبلاً للسلطة الفلسطينية، أو لاحقاً للدولة الفلسطينية، وهذا التخوّف مردّه إلى وجود مؤشرات شهدتها السنوات الماضية، من خلال عدم قدرة أتباع الديانتين اليهودية والمسيحية على ارتياد أماكنهم المقدسة التي تشرف عليها السلطة الفلسطينية.

 

ويزعم عددٌ من المحللين الصهاينة أنّه في ظلّ سيطرة السلطة الفلسطينية هاجر العديد من المسيحيين للأراضي الفلسطينية وذهبوا للخارج، وخلال تنفيذ عملية "السور الواقي" التي بادرت إليها دولة الاحتلال عام 2002، لوقف العمليات الفدائية، استخدم الفلسطينيون كنيسة المهد في مدينة بيت لحم مكاناً لاستيعاب ولجوء عشرات المطلوبين الفلسطينيين.

 

أخيراً تحذّر الأوساط التفاوضية الصهيونية صنّاع القرار في الدولة من أنّ قرار تقسيم مدينة القدس فيما لو تم سيعيدها حتماً لما كانت عليه قبل عقود طويلة، حيث عدم الاستقرار الأمني، والتراجع الاقتصادي.

* باحث فلسطينيّ.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »