القدس في مشاريع السلام العربية

تاريخ الإضافة الثلاثاء 14 تشرين الأول 2008 - 10:29 ص    عدد الزيارات 21150    التعليقات 0

        


القدس
 في مشاريع السلام العربية

 

 

 


إعداد 
 د. محمد أحمد جميعان 
مدير عام مركز ماج
                للدراسات الاستراتيجية - الأردن          
 

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة

  يأتي هذا البحث ليعرف بواقع  تناول قضية القدس في مشاريع السلام العربية  وكيفية معالجتها وما ترتب على ذلك من نتائج على مدينة القدس بما آلت إليه حالها من تهويد مبرمج طمس معالمها وشوه حضارتها  وحاول سلخها عن أمتها وانتزاعها من حضنها  العربي ومحيطها الإسلامي وهي أولى القبلتين ومأوى أفئدة المسلمين قاطبة فمن أوصلها إلى هذا الحال الذي أحسن من وصفه بالرمق الأخير؟
يحاول هذا البحث الإجابة على الأسئلة والتساؤلات التي تتعلق في مشاريع السلام العربية ودورها  السلبي أو الإيجابي إن وجد في  الحفاظ على هوية  القدس ومعالمها وحمل قضيتها إلى المحافل الدولية بالشكل والمضمون الذي تستحقه  لإعادتها إلى الأمة التي لن يطول سباتها بأذن الله حتى تنتفض بقوة وعزم وإرادة تعيد الحق لأهله دون تفريط .
• فهل وضعت هذه المشاريع آلية حاسمة وحازمة للحفاظ على القدس واسترجاعها؟
• وهل تشبثت هذه المشاريع بالقدس عاصمة لفلسطين أم كانت محل تراجع ومساومة وتسويف؟
• هل أعطت هذه المشاريع أولوية للقدس باعتبارها القلب من القضية أم تركتها للتأجيل؟
• هل حشدت هذه المشاريع المحافل الدولية والجهود الرسمية والشعبية لنصرة القدس والحفاظ عل مكانتها؟
• هل حافظت هذه المشاريع على شعلة القدس وهيبة قداستها متقدة في القلوب؟
• هل وضعت هذه المشاريع نصوصا قانونية أو بذلت جهودا كافية للحفاظ على القدس وعدم تهويدها؟
• أم أهملت ذلك وأوجدت مظلة لتهويدها وطمس معالمها ودثر هويتها؟
• ما هي الحقيقة الكبرى التي تتعلق بالقدس وقضيتها والتي غفلت عنها مشاريع السلام العربية؟
ولهذه الغاية  سوف استخدام في هذا البحث المنهج التحليلي النقدي الموضوعي الهادف الذي يخدم الغاية والهدف النبيل الذي نسعى له وهو خدمة القدس والحفاظ على شعلتها متقدة في قلوب المؤمنين والأحرار بعيدا عن السرد التاريخي الفضفاض والمبالغات والمصطلحات الإعلامية وبعيدا كل البعد عن التجريح الذي يدخلنا في متاهة الخلاف وجدلية الاختلاف  حيث سيتم تناول الموضوع في خلفياته وحيثياته التي تقف خلف تناول قضية القدس في مشاريع السلام العربية وما آلت إليه هذه الكيفية وهذه المعالجات من آثار مختلفة على القدس وإعادتها  وقداستها في النفوس ومكانتها العربية والإسلامية والدولية.

 

خلفية "القدس" في مشاريع السلام العربية

 

كل إناء بما فيه ينضح فمن أي إناء نضحت مشاريع السلام العربية لمعالجة قضية القدس:
• فهل جاءت هذه المشاريع من نبض الشارع  الفلسطيني  وقواه الشعبية؟     
• وهل جاءت هذه المشاريع من العمق العربي والإسلامي وتراثه العظيم؟
• أم جاءت من المؤسسة الرسمية الفلسطينية والمعادلات المؤثرة فيها؟
• أم هي من وحي  المواقف الرسمية العربية والإسلامية واستجابة لها؟
• أم كانت خضوعا للضغوط الدولية والإقليمية الرسمية المؤثرة والفاعلة؟
• هل كانت استرضاء  للرأي العام (الإسرائيلي) وأحزابه المؤثرة؟
• وهل خدمت (إسرائيل) والمؤسسة الصهيونية في تهويد القدس وطمس معالمها؟

 

ولتوضيح ذلك لا بد من عرض للمواقف المختلفة التي تبين بجلاء من أين جاءت خلفية وآلية معالجة قضية القدس في مشاريع السلام  العربية وما ترتب على ذلك لاحقا من تهويد للمدينة المقدسة :

 

أولاً : المواقف الشعبية
إن معالجة قضية القدس في مشاريع السلام العربية جاءت خلافا للمواقف الشعبية الفلسطينية والعربية والإسلامية.
   حيث الموقف الشعبي الفلسطيني الذي يؤكد على أن فلسطين كانت عبر العصور وطنا لشعب فلسطين  وأن القدس كاملة (لا شرقية ولا غربية) بكل أكنافها عاصمة لفلسطين وقلبها النابض كيف لا وهي أولى القبلتين ومعراج صاحب الرسالة نبي الأمة صلى الله عليه وسلم وكل المخلصين الذين لا تخلو بياناتهم من التأكيد على رفض المساومات والتنازلات في قضية القدس حيث طالب تحالف الفصائل الفلسطينية  المقيمة في دمشق في آذار 2001 مؤتمر القمة العربي المنعقد في عمان "توفير كل ما يمكن الشعب الفلسطيني من تحقيق هدفه الوطني ألا وهو طرد وكنس الاحتلال من الضفة وقطاع غزة وأن القدس عاصمة فلسطين دون قيد أو شرط"(1).
وقد وقفت الشعوب العربية والإسلامية وقواها الشعبية بقوة وصلابة وما زالت خلف الموقف الشعبي الفلسطيني وقواه الشعبية وأكدت "على أن القدس عاصمة فلسطين ولها أهمية إسلامية خاصة وأن فلسطين أرض إسلامية لا يحق لأحد أن يتنازل عنها"(5) .
وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر بعض القوى والمؤتمرات والروابط التي أكدت على خصوصية القدس وعدم المساومة عليها :(12)
• فتوى مؤتمر علماء فلسطين الأول المنعقد في القدس عام 1935
• فتوى علماء العراق عام 1937
• فتوى علماء نجد عام 1937
• فتاوى علماء الأزهر الشريف في الأعوام 1947، 1956 ، 1979
• فتوى المؤتمر الدولي الإسلامي المنعقد في باكستان عام 1968
• فتوى علماء المسلمين في أيلول 1988 والتي أكدت "عدم التفريط في أي ذرة من أرض فلسطين، مع التأكيد على خصوصية مدينة القدس في الصراع لأن لها وقع وتأثير وأهمية في قلوب المسلمين كما أكدت على حرمة التنازل عن القدس كلها أو جزء منها كما يحرم قطعيا الإقرار للدولة اليهودية الغاصبة بالسيادة عليها"(8)
• تشكيل المؤتمر الإسلامي العام لبيت المقدس الذي تأسس عام 1953 في مدينة القدس من علماء ومفكرين من مختلف أنحاء العالم وأصبح مقره في عمان في أعقاب الاحتلال الصهيوني للقدس وهو يرفض أي مشروع لتدويل القدس أو إلغاء هويتها الإسلامية(10)
• المؤتمر القومي الإسلامي، عقد في بيروت في 10/10/1994، رفض "التسويات المطروحة لإنهاء الصراع العربي الصهيوني وإغلاق ملف القضية على نحو يهدر حقوق شعب فلسطين وضرورة متابعة تحرير فلسطين والجولان وجنوب لبنان"
• المؤتمر الشعبي للدفاع عن القدس الذي تأسس في عمان عام 1996 حيث دعا في البيان الختامي للمؤتمر الثاني الذي عقد في عمان في 22/11/2001 الحكومات العربية والإسلامية إلى "إعادة القدس وفلسطين إلى الموقع الذي تحتله في عقيدة الأمة باعتبارها الأرض المقدسة والمباركة، أولى القبلتين ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم ومعراجه وموطن الرسالات السماوية والحضارات الإنسانية"(18)
• المؤتمر العام للأحزاب العربية، تأسس في عمان 1996 ويضم (76 ) حزبا عربيا، والذي أكد في بيانه في مؤتمره الثاني في بيروت عام 1999  "أن الإجراءات التي يقدم عليها العدو الصهيوني في القدس هي إجراءات باطلة وغير شرعية" وأكد "حق الشعب الفلسطيني التاريخي في العودة إلى وطنه وإقامة دولته على تراب الوطن وعاصمتها القدس"(1)
وهكذا نرى القوى الشعبية الفلسطينية والعربية والإسلامية الفاعلة تقف وترفض بإصرار أي  تنازل أو مساومات على قضية القدس.

ثانياً : المواقف الرسمية  
حيث نرى بواكير الموقف الرسمي الفلسطيني الذي أعطى الضوء الأخضر لكيفية معالجة قضية القدس في مشاريع السلام العربية جاء عام 1974 حيث أقر المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة المنعقدة في القاهرة برنامج النقاط العشرة، كبرنامج سياسي مرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية  والذي لم يحدد مفهومه للأرض الفلسطينية المحتلة، ولا الوسائل الممكنة لتحرير هذه الأرض والذي تم التأكيد عليه في بيان المجلس الوطني  في دورة التاسعة عشرة في الجزائر في 15/11/1988 الذي نص "ضرورة تحقيق تسوية عادلة للقضية الفلسطينية على قاعدة قراري مجلس الأمن 242، 338، وقيام دولة فلسطينية فوق أرضنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف"(14)  وهو ما تم التأكيد عليه بوضوح أكثر في بيان المجلس الوطني الفلسطيني في دورته العشرين في الجزائر في 22/9/1991"إن من أسس ومنطلقات السلام الانسحاب (الإسرائيلي) التام من الأراضي الفلسطينية  المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشريف" وهو ما اعتبر تراجعا متدرجا منهجيا مبرمجا متدحرجاً من قبل منظمة التحرير الفلسطينية عن مواقفها السابقة التي كانت تؤكد  كما في الميثاق الوطني الفلسطيني الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني  في دورته الرابعة في القاهرة في 17/7/1968 إذ نص البند السابع عشر منه "إن تقسيم فلسطين الذي جرى عام 1947، وقيام (إسرائيل) باطل من أساسه، مهما طال الزمن، لمغايرته لإرادة الشعب الفلسطيني، وحقه الطبيعي في العيش في وطنه"(14), وهو ما اتفق عليه الباحثون والمراقبون.  
إن هذا الموقف المتدرج والمتراجع من قضية القدس أضعف مكانتها وبدا باهتاً رغم تمسكه بالحقوق العامة للشعب الفلسطيني سيما ما جاء لاحقا من موافقة على مشاركة سكان القدس في الانتخابات التشريعية لسلطة الحكم الذاتي عبر صناديق البريد وليس ميدانيا في دوائر انتخابية في القدس الشريف  (القدس الشرقية) اعتبر طعنة من قبل البعض وثغرة من قبل آخرين يمس عودة القدس الشريف وحقوق السيادة الفلسطينية سياسيا ودينيا وجغرافيا وسكانيا فيها، وما تلا ذلك من تنازلات من خلال أفكار قدمت من قبل بعض المحسوبين على السلطة تتضمن مشاريع تقاسم وظيفي وسلطوي وسياسي مقابل المطالبة بتنازلات من الطرف (الإسرائيلي) عليها وهذه  الخطوة  التنازلية المنحدرة لم يقابلها أي نوع مهما قل أو صغر من التنازل السياسي أو حتى الإداري من قبل (الجانب الإسرائيلي) سواء من المستوى الرسمي أو الحزبي أو القوى الشعبية الفاعلة في (إسرائيل)؟!(22)
المواقف الرسمية العربية جاءت داعمة للموقف الرسمي الفلسطيني  في هذا التدرج  المتراجع لقضية القدس من خلال قرارات القمم العربية التي صدرت  بعد الاحتلال (الإسرائيلي) عام 1967 حيث وافقت هذه الدول على قرار (242) وبدأت تطالب بانسحاب القوات (الإسرائيلية) من الأراضي العربية المحتلة ومنها شرق القدس وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف،  وهنا أثبت نص البيان الختامي بهذا الخصوص الذي صدر عن القمة العربية غير العادية في القاهرة بتاريخ 21/11/2000 والذي جاء فيه "دعم موقف دولة فلسطين، الذي استند إلى التمسك بالسيادة على (القدس الشرقية) بما فيها الحرم القدسي الشريف وجميع الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية التي تشكل جزءا من الأراضي الفلسطينية المحتلة وبالقدس الشريف عاصمة لدولة فلسطين المستقلة"(20)
أما الموقف الرسمي الإسلامي فلم يكن إلا صدى للموقف العربي الرسمي إذ عقد مجلس الجامعة العربية اجتماعا طارئا في 25/8/1969 في أعقاب قيام الكيان الغاصب بإحراق المسجد الأقصى في21/8/1969 واتخذ قراراً بأهمية عقد مؤتمر قمة إسلامي حيث عقد أول مؤتمر له على مستوى وزراء الخارجية في جدة عام 1972 حيث أقر ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي بمشاركة (30) دولة إسلامية (20).
ورغم أن قيام هذه المنظمة كان من أجل القدس وحريق المسجد الأقصى إلا أنها أصبحت امتدادا للمواقف الرسمية العربية التي تصدر عن مؤتمرات القمة العربية وأصبحت تطالب تماما كما الموقف الرسمي "بتطبيق القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، والتي تطالب بعودة القدس  الشريف إلى السيادة العربية الإسلامية"(20)
من هنا نرى تفاعل وتطابق المواقف الرسمية الفلسطينية والعربية والإسلامية تجاه كيفية معالجة قضية القدس في مشاريع السلام العربية وهناك من يؤكد _ وهي تقارير إعلامية غير موثقة _ أن المواقف الرسمية الفلسطينية المتراجعة والمتدرجة تجاه قضية القدس جاءت بإيحاء من الزعماء العرب ويذهب البعض الأخر للقول بطلب من المؤسسة الرسمية العربية في سبيل إيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية تقبل به (إسرائيل).
وأي كانت الملابسات في هذا المجال فإن تفاعل الموقف الرسمي (الفلسطيني والعربي والإسلامي) مع الضغوط الدولية جاء بما يرضي (إسرائيل) وتقبل به و قد أخرج معالجة سياسية ظالمة ومجحفة لقضية القدس في مشاريع السلام العربية  خدمت (إسرائيل) في  تثبيت قناعاتها وتهويدها للقدس وطمس هويتها بما يتلاءم ويخدم المخططات الصهيونية في هذا المجال.

 

ثالثا : المواقف الدولية
يمكن تصنيف المواقف الدولية إلى ثلاثة مواقف رئيسة :
 الأولى : مواقف منسجمة مع الموقف الرسمي العربي كموقف منظمة الوحدة الأفريقية والموقف الروسي اللذين يؤكدان على حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم في الأراضي المحتلة عام 1967  بما فيها (القدس الشرقية) (10).
والثانية :  مواقف خاصة كالموقف الأوربي الذي أعلنته الدول التسعة الأعضاء في المجموعة الأوربية عام 1980 (إعلان البندقية) الذي  نص "تعترف الدول الموقعة بالأهمية الخاصة التي تكتسبها قضية القدس بالنسبة لكل الأطراف المعنية وأنها لا تقبل أي مبادرة تتخذ من جانب واحد تستهدف تغيير وضعية القدس وإن أي اتفاق يخص وضعية المدينة ينبغي أن يضمن للجميع حق حرية الدخول إلى الأماكن المقدسة"(22)، هذا إلى جانب تبنيه القرارات الدولية الصادرة في هذا الشأن,  وكذلك موقف الفاتيكان الذي لم يعترف بـ (إسرائيل) إلا في كانون أول 1993 وذلك بعد توقيع اتفاقيات أوسلو في أيلول 1993 وقد جاء في الاتفاق بين (إسرائيل) والفاتيكان ما نصه "يرى الفاتيكان وإسرائيل في مدينة القدس أهمية خاصة"(22)، وعليه فلم تتضمن الاتفاقية أي تأكيدات على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في مدينة القدس ولا أي اعتراف بالسيادة العربية على الأماكن المقدسة الإسلامية,  وما يجدر ذكره أن الفاتيكان يتبنى المطالبة بتدويل المدينة مع وجود إدارة عربية على القسم الشرقي  منها وإدارة (إسرائيلية) على الجانب الغربي منها، على أن يتم وضع دستور خاص للمدينة من قبل الأمم المتحدة وأن تؤلف هيئة دولية للإشراف على التطبيق هذا(22).

والثالثة : مواقف ضاغطة ومنحازة للموقف (الإسرائيلي) الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية واللوبي الصهيوني فيها حين صوت أعضاء الكونغرس الأمريكي في تشرين الأول عام 1995 على قرار نقل السفارة الأمريكية في (إسرائيل) إلى القدس باعتبارها عاصمة الدولة العبرية الذي يجب أن تتواجد فيها السفارات والهيئات الدبلوماسية وذلك  في مدة لا تتعدى عام 1999 على نحو غير مسبوق في التوافق إذ وافق نحو ( 374 ) صوتا مقابل  (27)  فقط رفضوا ذلك، وحصل هذا القرار نفسه في مجلس الشيوخ الأمريكي على موافقة مشابهة إذ وافق نحو (93) صوتا مقابل (5) أصوات فقط رفضوا القرار(1)، علماً أن أمريكا تطرح فكرة التدويل كحل ملائم لقضية القدس على أن يتم ذلك من خلال مفاوضات الحل النهائي لتحديد مستقبل مدينة القدس, ومن هنا نجد أن الضغوط الأمريكية التي تسترضي (إسرائيل) وتقدم  حلولا تخدمها تمارس على النظام الرسمي العربي والفلسطيني  ضغوطا  في مشاريع السلام العربية لمعالجة قضية القدس والتنازل عن الحقوق فيها على النحو الذي سوف نراه.
 رابعا : المواقف (الإسرائيلية)
ومع كل المرونة وقبول الضغوطات والتنازلات التي  قبلت بها أو تقدمها المواقف الرسمية العربية والفلسطينية لمعالجة قضية القدس من خلال مشاريع السلام العربية  إلا أن تجاوبا واحدا أو بصيص أمل أو احتمالية تجاوب ضعيفة لم تصدر من (إسرائيل) شعبيا ورسميا وأحزابا وهذا ما يتبدى رسميا من خطاب رفيق السلام  (رئيس وزراء إسرائيل) إسحق رابين وفي احتفالية توقيع اتفاق أوسلو في واشنطن في 13 /9/1993 ما نصه حرفيا "إن إبقاء القدس عاصمة موحدة لـ (إسرائيل) تحت سيادتها من القضايا الرئيسة لـ (إسرائيل)"(18)
 وإلى ما قال "أيهود اولمرت"  عندما كان رئيسا لبلدية الاحتلال في القدس  "إن المجلس البلدي وضع نفسه في سباق مع الزمن السياسي وذلك على قاعدة قطع الشك باليقين على أن وحدة القدس والسيادة أبدية لدولة (إسرائيل) عليها"(11) وهكذا جرى  تهويد للمدينة وطمس لمعالمها ودثر لتاريخها في منهجية مبرمجة تحدث عنها اولمرت نفسه .
أما الأحزاب التي تمثل البعد الشعبي (الإسرائيلي) في المعادلة فهي متطابقة مع الموقف الرسمي حتى في أحزاب اليسار العمل وميرتس وحداش التي ترفض أي نوع من التهاون في موضوع القدس وأكدت وتؤكد باستمرار على أن القدس هي العاصمة الأبدية والموحدة  لـ(إسرائيل) وتحت السيادة (الإسرائيلية)، وها هو (رئيس وزراء إسرائيل) السابق وأحد رفقاء السلام أيهود براك يؤكد في انتخابات الكنيست عام 1999 ما نصه  "إن الحزب سيحافظ على القدس موحدة إلى الأبد وأنه لن يوافق أبدا على العودة إلى حدود عام 1967"(22) .
وهذا الموقف من اليسار (الإسرائيلي) ليس بعيدا عن الموقف من اليمين ( الإسرائيلي ) أو المتدينين إذ تنص أدبيات الليكود اليميني "إن القدس هي العاصمة الخالدة للشعب اليهودي وغير قابلة للتقسيم "، كما تنص أدبيات  غوش امونيم وكاخ وميماد الدينية على رفض أي نقاش حول القدس التي شيدها داوود لشعب اليهود المختار "(8).
إن تأملات معمقة في تصريحات وزير الزراعة الأسبق يعقوب تسور تدل على أن ما يقدم من تنازلات في موضوع القدس في مشاريع السلام العربية إنما هو ضرب من الضحك على النفس ( أو على الذقون ) إذ يقول ما نصه "سيسمح للفلسطينيين بإبداء رأيهم في موضوع القدس ولكن إسرائيل لن تسمح لهم بخطوات ولو رمزية تعبر عن رغبتهم في أن تكون القدس عاصمة الحكم الذاتي"(18).

 

معالجة "القدس" في مشاريع السلام العربية

 

لقد جاءت معالجة قضية القدس في مشاريع السلام العربية من خلفية الموقف الرسمي الفلسطيني الذي تفاعل مع المواقف الرسمية العربية  التي قبلت بالضغوط الدولية سيما الأمريكية سعيا  وراء موافقة (إسرائيلية) مستحيلة وقد حظيت بتشجيع رسمي إسلامي ودولي تبنى المواقف الرسمية العربية، وهذه المشاريع جاءت خلافا لكل المواقف الشعبية والحزبية الفلسطينية والعربية والإسلامية والعالمية الحرة وقواها الحية التي تعتبر القدس أولى القبلتين ومعراج النبي محمد  صلى الله عليه وسلم ومهبط الرسالات حيث ترفض المساومة عليها والتنازل عنها وتطالب بالمحافظة عليها من التهويد والتدنيس والطمس بالمهج والأرواح حتى تحريرها.

 

والحديث هنا عن مشاريع السلام العربية المعلنة التي تم إشهارها وتم التوقيع عليها أو تم تقديمها كمبادرة بين أطراف رسمية عربية و(إسرائيلية) تناولها الإعلام وأخذت حيزا من التطبيق أو التداول وهي :
أولاً : اتفاقيات كامب ديفيد المصرية – (الإسرائيلية) التي جاءت بعد حرب رمضان
 (أكتوبر) 1973 وتحديدا في  أعقاب زيارة الرئيس المصري محمد السادات إلى (الكنيست الإسرائيلي) في القدس في 19/11/1977، حيث أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن  توصل الجانبين المصري و(الإسرائيلي) إلى هذا الاتفاق بعد أسبوعين من المفاوضات في 17/9/1978؟!(1)
ثانياً : اتفاقية أوسلو ومذكرة واي ريفر الفلسطينية ـ (الإسرائيلية) حيث تم التوقيع على إعلان المبادئ بين الكيان (الإسرائيلي) ومنظمة التحرير الفلسطينية في 13/9/1993 وعلى إقامة سلطة حكم ذاتي لمدة لا تتجاوز خمس سنوات تؤدي بعدها إلى تسوية دائمة طبقا لقراري مجلس الأمن (242، 338) وكان من المفروض أن تنتهي الفترة في 13/9/1998 إلا أنها ما زالت مستمرة لغاية الآن رغم تأكيد ذلك في مذكرة (واي ريفر) التي وقعت أيضا بينهما في واشنطن في 23/10/1998 ؟!(18)
ثالثاً : إعلان واشنطن واتفاقية وادي عربة الأردنية ـ (الإسرائيلية)، حيث وقع الإعلان في 14/9/1993 (بعد يوم واحد من توقيع إعلان أوسلو) وبعد نحو سنة واحدة تم توقيع اتفاقية وادي عربة في 26/10/1994 (21).
رابعا : مبادرة السلام العربية (مبادرة خادم الحرمين الشريفين) التي تم إقرارها في مؤتمر القمة العربي في بيروت عام 2002 والتي  تم التأكيد عليها في  مؤتمر القمة  العربي في الرياض مؤخرا (2007) وشكلت لها لجنة لمتابعتها تم تفويض كل من الأردن ومصر لإجراء الاتصالات اللازمة مع الجانب (الإسرائيلي) وهي عبارة عن أفكار عامة وخطوط عريضة تحتاج إلى آلية ومفاوضات لمتابعتها(20).

   وعلى خلفية قضية القدس في  مشاريع السلام العربية وما سنراه من مضامين قضية القدس في مشاريع السلام العربية يمكن تحليل وتصنيف وتوصيف كيفية تناولها ومعالجتها في هذه المشاريع المعلنة تالياً

 

أولا : تجاهل وترقيع
تجاهلت اتفاقيات كامب ديفيد مدينة القدس تماما ولم تأتِ على ذكرها قطعيا علما بأن الاتفاقيات قد جاءت على ذكر حكم ذاتي في الضفة وغزة بما نصه : "يمكن أن تتفق مصر و(إسرائيل) والأردن على وسائل إقامة سلطة حكم ذاتي منتخبة في الضفة الغربية وقطاع غزة"(1).
وهذا التجاهل قد سبب إحراجا للرئيس المصري محمد السادات مما اضطره إلى الترقيع في معالجة الموقف بإرسال رسالة إلى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في 17/9/1978 تضمنت خلفية المواقف الرسمية العربية من قضية القدس التي  كانت حصيلة تنازلات متدحرجة ومتدرجة أفضت إلى ما يسمى بالقدس العربية أو الشرقية أو الشريف وبإشراف دولي  للأماكن المقدسة والتي تناولتها بالشرح سابقا وجاءت الرسالة بما نصه : "تعتبر مصر أن (القدس العربية) هي جزء لا يتجزأ من الضفة الغربية ويجب إعادة الحقوق العربية والتاريخية والشرعية على المدينة وذلك بتطبيق قرارات مجلس الأمن (242 ، 267 ) فيما يتعلق بالقدس بما يكفل لجميع الشعوب حرية الوصول إلى المدينة وممارسة شعائرهم، وأن إدارة الأماكن المقدسة لكل ديانة يمكن أن توضع تحت إدارة ممثليها وسلطتهم"(1).
ورغم أنها رسالة "ترقيع" وليست جزءا من الاتفاقيات وليس لها أي قيمة سياسية تطبيقية أو عملية سوى تسجيل المواقف  وتدارك الإحراج  إلا أن الجانب (الإسرائيلي) لم يفوت الفرصة لتأكيد موقفه من القدس وتوجيه صفعة صهيونية مباشرة لاتفاقيات كامب ديفيد حيث أرسل (رئيس الوزراء الإسرائيلي) مناحيم بيغن رسالة إلى الرئيس الأمريكي ردا  على رسالة الرئيس المصري جاء فيها ما نصه : "إن الحكومة (الإسرائيلية) تؤكد أن القدس هي مدينة واحدة غير قابلة للتقسيم وهي عاصمة دولة (إسرائيل) الخالدة"(1).

 

ثانياً : تأجيل وتهويد
أجلت اتفاقيات أوسلو موضوع القدس وآلية البت فيه إلى مفاوضات الحل النهائي وذلك إلى جانب مواضيع وملفات حساسة أخرى كالمستوطنات واللاجئين والترتيبات الأمنية والحدود وكان من المفروض أن يبدأ البحث فيها حسب اتفاقيات أوسلو في مطلع السنة الثالثة من بدء الاتفاقية الانتقالية للحكم الذاتي (أي في عام 1996 ) إلا أن ذلك لم يحدث ودخلت في نفق التسويف المبرمج القاتل الذي يخدم (إسرائيل) في تهويدها للقدس.
هذا التسويف المبرمج بدأ في مذكرة واي ريفير التي وقعت في 23/10/1998 حين أعطت وعدا وموعدا جديدا لمفاوضات الحل النهائي في 4/5/1999 بما نصه :"تستأنف الأطراف مفاوضات الوضع  الدائم (الحل النهائي) بوتيرة سريعة وسيبذلان جهدا كبيرا من أجل تحقيق الهدف المتبادل وذلك من أجل الوصول إلى اتفاق بحلول يوم 4/5/1999"(18) .
ولأن هذا التسويف مقصود ومبرمج  فإن اختلاق مبررات جديدة أو افتعال حوادث قاهرة أمر من السهل تحقيقه في الدبلوماسية (الإسرائيلية) والأمريكية ولو وصل الحال إلى فرض حصار جائر وظالم على من وقع اتفاقيات أوسلو وواي ريفير نفسه وهو الرئيس ياسر عرفات  لينشغل الرأي العام العالمي والإقليمي والمحلي وقياداته السياسية والشعبية في كيفية رفع الحصار عنه من أجل متابعة مفاوضات الحل النهائي، وعندما لم يجدوا فائدة من هذا الوضع أو أن الحال استنفذ أغراضه وبدا لـ (لإسرائيليين) ( حسب تقديراتهم وأوهامهم ) إنهم قادرون على فرض حل نهائي دائم يخدم مصلحتهم كان لابد من اغتيال الرئيس عرفات بالشكل والهيئة التي رأيناها جميعا، ولكنهم خابوا وخسروا وفشلت توقعاتهم عندما فازت حماس والشرفاء معها وقطعت عليهم الطريق.
إن معالجة هذه الاتفاقية لموضوع القدس بأسلوب التأجيل وما تبعه من تسويف مبرمج قد خدم استراتيجية (إسرائيل) بتهويد القدس بشكل مدروس ومبرمج ترتب عليه إعطاء الوقت الكافي للمحتل (الإسرائيلي) لإتمام عملية التهويد وقيامه بتثبيت السيادة (الإسرائيلية) عليها؛ من الحفريات إلى  مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات وشق الطرق الالتفافية، وتضييق الخناق على المؤسسات الفلسطينية العاملة في القدس، وفصل القدس عن بقية الأراضي الفلسطينية. ومنع دخولها إلا بتصريح، ومنع ممارسة أي نشاطات جماهيرية فلسطينية أو فتح مكاتب إلا بموافقة مسبقة بأذن خاص من (الحكومة الإسرائيلية) بشكل أجرأ فاق إجراءات التهويد التي كانت قائمة قبل اتفاقيات أوسلو لأنها وجدت في هذه الاتفاقيات فرصة كبيرة ومظلة غير مسبوقة لمتابعة ممارساتها التهويدية بكل أريحية وطمأنينة(5+11+10+22).

 

 ثالثاً : تحسس وخلاف
تحسس منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن كان حاضرا في مشاريع السلام العربية وقد بدا هذا الخلاف واضحا حين جاء إعلان واشنطن بين (إسرائيل) والأردن بعد يوم واحد من إعلان أوسلو حيث وقع الأول في 14/9/1993 ووقع الثاني في 13/9/1993 وبعد نحو سنة وقعت اتفاقيات وادي عربة للسلام التي تركت وضع الضفة بما فيها القدس لاتفاقيات أوسلو باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني(20 +21) واكتفت بالحديث عن الأهمية التاريخية والدينية والدور الأردني الخاص على هذه الأماكن حيث جاء ذلك في الاتفاقية بما نصه تحت البند  التاسع (الأماكن التاريخية والدينية) :"سيمنح كل طرف لمواطني الطرف الأخر حرية الوصول للأماكن ذات الأهمية الدينية والتاريخية، وفي هذا المجال تحترم (إسرائيل) الدور الحالي للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستعطي (إسرائيل) أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن"(21).
ومع أن موضوع القدس كان محددا في الجوانب المشار إليها بالنص في اتفاقيات وادي عربة إلا أنه أثار تحسس منظمة التحرير ترتب عليه خلاف حاد أثار حفيظة المنظمة في بيان صدر بما نصه : "يعتبر هذا البند انتهاكا صريحا من قبل (إسرائيل) وليس من حقها إعطاء أي تعهد أو التزام بشأن أراض متنازع عليها ومؤجلة لمرحلة التفاوض النهائي، وإن من شأن ذلك أن يضعف من الموقف التفاوضي الفلسطيني خلال المفاوضات المتوقعة حول الوضع النهائي للضفة الغربية وقطاع غزة"(18).
وقد رد الأردن على ذلك في بيان رسمي في 28/7/1994 جاء فيه بما نصه : "لم تر الحكومة الأردنية أي تناقض بين استرجاع السيادة السياسية على القدس العربية من خلال المفاوضات (الإسرائيلية) وبين استمرار الأردن القيام بدوره في ممارسته لولايته الدينية على المقدسات الإسلامية في القدس"(18).
رابعاً : تكرار وعناد
إن ما طرحته المبادرة العربية للسلام  في القمة العربية في بيروت بخصوص القدس (والمثبتة في الملحق) (20)  تكرار لا يخرج عما ورد في بيانات سابقة ومواقف رسمية  تم شرحها في هذا البحث والتي تنص على أن (القدس الشرقية) عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة بما نصه : "قبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها (القدس الشرقية)"(20).  
ونظرا لكون المبادرة أفكاراً عامة لم تأخذ طريقها إلى التطبيق، وما زالت  في حيز المناقشة، رغم إقرارها من قبل القادة العرب، إلا أن الطرف (الإسرائيلي) لم يعطِ موافقة عليها وأظهر عنادا ومراوغة في قبولها لغاية الآن، مما يفسح المجال لطرح توصيات واقتراحات بخصوص القدس وقضيتها ورفعها إلى المؤسسة الرسمية العربية من القادة العرب أو اللجنة المشكلة أو الجامعة العربية بما يخدم قضية القدس ويحافظ عليها من التهويد.
ولأن المبادرة حديث الساعة وتتعلق بموضوع القدس ومؤتمره ولها صلة مباشرة بهذا البحث فاني أثبتها نصا كاملا ملحقا استكمالا لمتطلبات هذا البحث.

  ملحق 

 

   في ما يلي النص الحرفي لمبادرة السلام العربية التي أطلقت في قمة بيروت العربية عام 2002 والتي صادقت عليها القمة العربية التي افتتحت في آذار 2007 في الرياض(20):
"إن مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة المنعقد في دورته العادية الرابعة عشر
- إذ يؤكد ما أقره مؤتمر القمة العربي غير العادي في القاهرة في يونيو 1996 من أن السلام العادل والشامل خيار استراتيجي للدول العربية يتحقق في ظل الشرعية الدولية، ويستوجب التزاما مقابلا تؤكده (إسرائيل) في هذا الصدد.
1- يطلب المجلس من (إسرائيل) إعادة النظر في سياساتها، وأن تجنح للسلم معلنة أن السلام العادل هو خيارها الاستراتيجي أيضا.
2- كما نطالبها القيام بما يلي :
أ - الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري وحتى خط الرابع من يونيو (حزيران) 1967، والأراضي التي مازالت محتلة في جنوب لبنان.
ب- التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.
ج- قبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها (القدس الشرقية)
3- عندئذ تقوم الدول العربية بما يلي :
أ - اعتبار النزاع العربي (الإسرائيلي) منتهيا، والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين (إسرائيل) مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة.
ب- إنشاء علاقات طبيعية مع (إسرائيل) في إطار هذا السلام الشامل.
4- ضمان رفض كل أشكال التوطين الفلسطيني الذي يتنافى والوضع الخاص في البلدان العربية المضيفة.
5- يدعو المجلس حكومة (إسرائيل والإسرائيليين) جميعا إلى قبول هذه المبادرة المبينة أعلاه حماية لفرص السلام وحقنا للدماء، بما يمكن الدول العربية و(إسرائيل) من العيش في سلام جنبا إلى جنب، ويوفر للأجيال القادمة مستقبلا آمنا يسوده الرخاء والاستقرار.
6- يدعو المجلس المجتمع الدولي بكل دوله ومنظماته إلى دعم هذه المبادرة.
7- يطلب المجلس من رئاسته تشكيل لجنة خاصة من عدد من الدول الأعضاء المعنية والأمين العام لإجراء الاتصالات اللازمة بهذه المبادرة والعمل على تأكيد دعمها على كافة المستويات وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن والولايات المتحدة والاتحاد الروسي والدول الإسلامية والاتحاد الأوروبي".


النتائج والتوصيات
أولا : جاءت قضية القدس في مشاريع السلام العربية وآلية معالجتها على خلفية تفاعل المواقف الفلسطينية والعربية الرسمية والضغوط الأمريكية عليها سعيا وراء موافقة (إسرائيلية) مستحيلة وقد حظيت بتشجيع إسلامي ودولي رسمي  خلافا لكل المواقف الشعبية الفلسطينية والعربية والإسلامية والعالمية الحرة وقواها الحية الفاعلة التي ترى أن القدس أولى القبلتين ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلم ومهبط الرسالات وحضن الحضارات العربية والإسلامية وهي عاصمة فلسطين دون تنازل ومساومة وتسويف.
ثانيا :  قصرت مشاريع السلام العربية في طرح قضية القدس وحقوق الفلسطينيين فيها وبدت عاجزة مستسلمة للقناعات (الإسرائيلية) والأمريكية بتأجيل طرحها وإخضاعها للمساومات والتسويف إلى ما يسمى مفاوضات الحل النهائي مما أضعف مكانتها دوليا حين لم تعطى حق الأولوية ولم تبرز بما تستحق من مكانة دينية وتاريخية وحضارية وسياسية واستراتيجية في هذه المشاريع.
ثالثا: أضرت هذه المشاريع بالقدس ورسالتها حين قبلت بالتأجيل وما تبعه من تسويف مبرمج  ترتب عليه إعطاء الوقت الكافي للمحتل (الإسرائيلي) لإتمام عملية التهويد وقيامه بتثبيت (السيادة الإسرائيلية) عليها؛ من مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات وشق الطرق الالتفافية، وتضييق الخناق على المؤسسات الفلسطينية العاملة في القدس، وفصل القدس عن بقية الأراضي فلسطينية, ومنع دخولها إلا بتصريح، ومنع ممارسة أي نشاطات جماهيرية فلسطينية أو فتح مكاتب إلا بموافقة مسبقة بأذن خاص من (الحكومة الإسرائيلية) بشكل أجرأ فاق إجراءات التهويد التي كانت قائمة ومستمرة قبل اتفاقيات أوسلو .
رابعا : أهملت اتفاقيات أوسلو وملحقاتها تثبيت مواد ونصوص تضمن الحقوق التاريخية والديموغرافية والسياسية والدينية  الفلسطينية وتلزم (إسرائيل) عدم إحداث أي تغييرات إنشائية أو سكانية أو قرارات أو مخططات من شأنها تهويد مدينة القدس خلال فترة  التأجيل للمفاوضات النهائية, وقد حصل هذا التهويد بالفعل نتيجة هذا الإهمال. 
 خامسا: سلخت هذه المشاريع القدس عن بقية الأراضي الفلسطينية حين أرجأت التفاوض حولها في ظرف قبلت فيه المؤسسة الرسمية الفلسطينية والعربية  التنازل المتدرج والمتدحرج لموضوع القدس بمقابل تعنت وعناد (إسرائيلي) احتفظ بموقفه دون أن يتزحزح عنه معتبرا القدس غير قابلة للتقسيم وتحت سيادته وهي عاصمة (إسرائيل) الأبدية.
سادسا:  أساءت هذه المشاريع للقدس معنويا حين أبهتت شعلتها ومست هيبة قداستها عندما قبلت المساومة عليها، وتنازلت عن الحقوق فيها، وجعلت منها موضوعا قابلا للقسمة وملفا مؤجلا في الطرح كباقي الموضوعات، وهي محط الأنظار وحشد النفوس تجمع المؤمنين في حوضها من كل حدب وصوب، ترخص الدماء من أجلها وإذا فرط بها أو مست هيبتها أو وقعها في القلوب فلن نجد بعدها جمعا للأمة وحفظا لهيبتها واعتصاما بثوابتها .
سابعا: لا بد والحالة هذه أن تنصب الجهود الفلسطينية والعربية الرسمية والإسلامية عموما والدولية الصديقة نحو الحفاظ على مدينة القدس من التهويد ودثر الهوية وطمس المعالم بكل السبل المتاحة الآن والتي يجب أن تشترط مسبقا في أي تحرك دولي أو أممي وقف كل ما من شأنه تهويد مدينة القدس بنصوص قانونية واضحة وحازمة. 
ثامنا: وأخيرا لا بد من الإقرار بالحقيقة الكبرى أن القدس محل خلاف عقائدي ووجودي فضلا عن كونه ثقافي وتاريخي وسياسي ودولي تعجز كل اتفاقيات السلام على إيجاد حل له مهما أوتيت من وقت وحيل وأفكار ولا بد أن يكون ذلك مدركا من قبل أصحاب القرار في الأمة و يتيح لهم أن يفسحوا المجال للإعداد والاستعداد والحشد والرباط والمقاومة لتحريرها من الغاصب المحتل وبغير ذلك سيبقى الحال في دوامة يكسب خلالها المحتل الغاصب مزيدا من الوقت لتهويد المدينة وطمس معالمها وفرض واقع جديد عليها.
المراجع
1- إبراهيم أبو جابر، 2001، قضية القدس، مركز دراسات الشرق الأوسط، عمان.
2-  عمر البرغوثي، 1923، تاريخ فلسطين، مطبعة بيت المقدس، القدس.
3- أحمد الجدع, 1990، صراعنا مع اليهود من أين الى أين؟، دار الضياء، عمان.
4- بيان نويهض الحوت، 1981، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت.
5ـ   روحي الخطيب، 1970، تهويد القدس، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان.
6-   إبراهيم الدقاق وآخرون، 2005، القضية الفلسطينية تحديات الوجود والهوية، مؤسسة عبد الحميد شومان، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت
7-  محمد النحال، 1970، جغرافية فلسطين، دار العلم للملايين، بيروت.
8-   شفيق جاسر، 1995، القدس، المجمع الثقافي، أبو ظبي.
9 - محمد توفيق جانا، 1937، الشهادات السياسية أمام اللجنة الملكية في فلسطين، دمشق.
10-  محمد عزة دروزة، 1982، القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها،   مطبعة الاتحاد، دمشق.
11-  عبدا لله راشد، 1997، قضية القدس ( 1967 ـ 1995 )، عمان.
12-     أكرم زعيتر، 1955، القضية الفلسطينية، دار المعارف، القاهرة.
13-     خليل طوطح، 1920، تاريخ القدس ودليلها، مطبعة مرآة الشرق، القدس.
14-   يوسف غوانمة، 2002، القدس الشريف، دار الفكر، عمان.
15-    محمد عبد المنعم عامر، 2001، عروبة القدس، المكنية الأكاديمية، القاهرة.
16-   عز الدين فودة، قضية القدس في محيط العلاقات الدولية، 1969، بيرو.
17-    خيرية قاسمية، قضية القدس، 1979، دار القدس، بيروت.
18-    ذياب مخادمة، قضية القدس،  1999، الجامعة الأردنية، عمان.
19-    رائف نجم، 1983، كنوز القدس، مؤسسة آل البيت،عمان.
20-   مقررات القمم العربية، وزارة الخارجية الأردنية، عمان.
21-    معاهدة السلام الأردنية ـ (الإسرائيلية )، وزارة الخارجية الأردنية، عمان.
22-   مبارك يواكيم، 1996، القدس ـ القضية، ترجمة مها الخوري، مجلس كنائس الشرق الأوسط.

                                                                                                            

* شكرٌ خاص للقائمين على المؤتمر الدوليّ لنصرة القدس الأول الذي انعقد في كلّ من القدس المحتلة وغزة وبيروت في الفترة 6-7 حزيران 2007م حيث قًدّم هذا البحث في الجلسة الأولى من المؤتمر والذي تناول المحور السياسيّ لقضيّة القدس.

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »