القدس بين مطرقة الاحتلال وسندان الإهمال الفلسطيني

تاريخ الإضافة السبت 18 تشرين الأول 2008 - 5:28 م    عدد الزيارات 20774    التعليقات 0

        

 

القدس بين مطرقة الاحتلال
 وسندان الإهمال الفلسطيني

 

 

إعداد
 راسم عناد  عبيدات
كاتب صحفي وناشط مجتمعي - القدس


 

 

القدس التي نردد في خطبنا العصماء، وشعاراتنا الرنانة، "وهوبراتنا" الإعلامية، أنها العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية، وأنها خط أحمر لا يمكن لأي كان أن يتجاوزه فلسطينيا أو عربيا، والقدس في العيون نفنى ولا تهون، "وعالقدس رايحين شهداء بالملايين"، وغيرها من "السيمفونيات"، المعهودة والتي لا نجد لها أية ترجمات أو تطبيقات عملية على الأرض، وهذا الإهمال والقصور الفلسطيني، سلطة وأحزاب وفصائل، وعرب ومسلمين، بحق القدس والذي سنأتي على ذكره تفصيلا، في سياق ورقة العمل هذه قدر الإمكان، ترافق مع سلسلة من الممارسات والإجراءات الاحتلالية بحقها، والتي تشارك في  التخطيط لها والعمل على وتنفيذها وتطبيقها الحكومة والمؤسسة الرسمية "الإسرائيليتين"، بكل أجهزتهما وأذرعهما وأدواتهما وإمكانياتهما، وعلى كل الصعد والمستويات، مستهدفة بذلك كل ما يمت للإنسان الفلسطيني بصلة في القدس، بشراً وحجراً وشجراً وثقافةً وتراثاً ومقدسات ..... إلخ، وهدف السياسة هذه بالأساس تهويد المدينة المقدسة وأسرلة سكانها، والأمور هنا ليست قصراً على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بل إن الأمر يتعدى ذلك ليطال الجانب الوطني والسياسي، وبما يشمل إلغاء الوجود الفلسطيني في القدس، ونزع هويتها الفلسطينية وقوميتها العربية، ولعله من الهام جدا القول، أن اتفاقيات أوسلو المجحفة والمذلة، كان لها تأثيرات سلبية جداً على فلسطيني القدس، فعدا أن الطرف الفلسطيني الموقع على هذه الاتفاقيات ، قبل بتأجيل مصيرها إلى ما يسمى بمرحلة الحل النهائي، فهو أيضا سلم وقبل ضمناً بالممارسات والإجراءات "الإسرائيلية" بحق سكانها الفلسطينيين، والمسألة ليست من باب المزايدة أو التحريض على هذا الطرف أو ذاك،  بل أن الوقائع تدعم وتسند صحة هذا القول، فالطرف الفلسطيني قبل وسلم بأنه لا يحق للسكان المقدسيين ولحاملّي الهوية "الإسرائيلية" قسراً، الحق في الحصول على جواز سفر فلسطيني، كما أن اتفاقيات أوسلو كشفت أن الطرف الفلسطيني قبل أن يشارك الفلسطينيون من سكان القدس في الانتخابات الرئاسية والتشريعية للسلطة الفلسطينية من خلال صناديق البريد "الإسرائيلية"، والفائزين من أعضاء المجلس التشريعي لدائرة القدس، لا يحق لهم ممارسة نشاطاتهم، ضمن المناطق الفلسطينية المقدسية والواقعة ضمن ما يسمى حدود بلدية القدس "الإسرائيلية"،  وهذه بحد ذاتها مهما حاولنا تجميلها تنازلات مجانية، واليوم عندما نتحدث عن القدس، نقول أنها ليست أكثر عزلة عن محيطها الفلسطيني، بل هي معزولة تماما، حيث أن الأطواق الاستيطانية لا تحيط بها من جميع الجهات، بل أصبحت مقامة في قلب الأحياء العربية وفي قلب البلدة القديمة، وإضافة لذلك أحاطها الاحتلال بجدار الفصل العنصري، وبما يعزلها ويفصلها تماماً عن محيطها الفلسطيني، جغرافيا وديمغرافيا واقتصاديا واجتماعياً وثقافياً وسياسياً وحياتياً، وبذلك حوّل الاحتلال القدس إلى "جيتو" مغلق، وأخذ يمارس بحق سكانها الفلسطينيين، كل أشكال وأصناف الانتهاكات لحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية : فمن مصادرة الأراضي واستمرار إقامة المستوطنات وتوسيع ما هو قائم منها، وسياسات هدم المنازل، والغرامات الخيالية على ما يسمى بالبناء غير المرخص، ناهيك عن الشروط التعجيزية للحصول على رخص البناء، ومصادرة حق المقدسيين في الإقامة وإسقاط حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية وتقيد حرية الوصول إلى أماكن العبادة وخاصة المسجد الأقصى في وقت تصاعدت فيه حدة الحملات "الإسرائيلية" التي تستهدف هذا المكان المقدس، وما الحفريات التي تجري تحته، وفي باب المغاربة، وهدم التلة المؤدية إلى المسجد الأقصى من جهة باب المغاربة إلا خطوة على طريق هدم الأقصى، وإقامة ما يسمى بالهيكل المزعوم مكانه، وخطى الاحتلال خطوات إضافية، عندما قام بنبش قبور المسلمين في مقبرة مأمن الله في "القدس الغربية"، والتهديد بنبش قبور أموات أهالي السواحرة الغربية (جبل المكبر) أحد أحياء مدينة القدس الجنوبية بدعوى ملكية إحدى الشركات الاستيطانية لجزء من مقبرة البلدة، بالإضافة للشروع في هدم بناية المجلس الإسلامي الأعلى في "القدس الغربية"، ناهيك عن الضرائب بمختلف أنواعها وتسمياتها التي يفرضها الاحتلال على السكان الفلسطينيين في القدس بغرض دفعهم للهجرة القسرية خارج المدينة المقدسة، وفي رصدنا للانتهاكات والممارسات "الإسرائيلية" بحق المقدسيين الفلسطينيين نحتاج إلى مجلدات، وهو ما لا تتسع له ورقة العمل هذه والتي جاءت على عجالة، حيث أبلغت بالمشاركة في وقت متأخر، ولكن لا ضير في ذلك، وسأحاول أن أسلط الضوء على المفاصل الأساسية لهذه الانتهاكات والممارسات "الإسرائيلية" بحق المقدسيين الفلسطينيون، وكذلك الإهمال والتقصير الفلسطينيَين سلطة ومعارضة بحق أهل المدينة المقدسة، وبقدر ما تتسع له الورقة.

 

• الاستيطان ومصادرة الأراضي : بعدما استكمل الاحتلال إقامة الأطواق الاستيطانية حول المدينة المقدسة ومن كل الجهات، معززاً ذلك بجدار الفصل العنصري، وبما له من آثار تدميريةٍ على كل مناحي حياة المقدسيين، ومخاطر هذه الآثار التدميرية، تعادل مخاطر نكبة عام 1948، إن لم تزد عنها، كما أن الاحتلال شرع في رفع وتصعيد وتيرة مصادرته لأراضي المقدسيين الواقعة داخل الجدار لإقامة مستوطنات عليها وتوسيع القائم منها، حيث تم مصادرة 2000 دونم من أراضي قرية الولجة الواقعة جنوب القدس لإقامة 5000 وحدة جديدة، وكذلك أحزمة استيطانية متواصلة حول القدس القديمة وفي قلبها، حيث أقيمت مستوطنة "معاليه هزتيم" في رأس العامود (132) وحده سكنية، والتخطيط لإقامة (200) وحده سكنية أخرى مكان مركز شرطة رأس العامود بعد إخلائه لصالح المؤسسات والجمعيات الاستيطانية، وكذلك إقامة مستوطنة "تسيون زهاف" (200) وحده سكنية على أراضي جبل المكبر، بل وفي قلب حي جبل المكبر، في أكبر عملية تواطؤ بين من يدعي ملكية جزء من هذه الأراضي "المستوطن عبود ليفي" وما يسمى "بلدية القدس"، والتي من أجل تسهيل وتشريع إقامة الحي الاستيطاني صادرت أراضي الفلسطينيين المحيطة بالمشروع لما يسمى بالمنفعة العامة، أي لصالح خدمة المشروع الاستيطاني، بالإضافة إلى مخطط آخر لإقامة مستوطنة باسم "كدمات تسيون" على أراضي بلدة أبوديس المطلة على حي رأس العامود وجبل المكبر بهدف خلق تواصل ديموغرافي يهودي يبدأ من حي الشيخ جراح مروراً بجبل الزيتون حيث البؤرة الاستيطانية المسماة "بيت أورون" "ومعاليه أدوميم"  وانتهاء "بتسيون زهاف"، وهذه الحزم الاستيطانية حول البلدة القديمة، كان قد أعلن عنها قبل عامين ونصف وزير السياحة "الإسرائيلي" السابق "بيني ألون"، والذي تحدث عن سبعة عشر بؤرة استيطانية ستقام حول المدينة المقدسة بالإضافة لإقامة حي استيطاني آخر داخل أسوار البلدة القديمة في المنطقة المعروفة ببرج اللقلق، وهذا المشروع يشتمل على إقامة (4000) وحدة استيطانية، ليكون ثاني حي يهودي يقام داخل أسوار البلدة القديمة، بعد الحي الذي أقيم على أنقاض حارة الشرف بعد سقوط القدس عام 1967.
ويتزامن هذا التصعيد "الإسرائيلي" في مصادرة الأراضي والاستيطان مع عمليات الاستيلاء على عقارات المقدسيين داخل البلدة القديمة وخارجها، ليرتفع عدد العقارات المستولى عليها من قبل المستوطنين إلى أكثر من (100) عقار داخل البلدة القديمة وخارجها، وهناك نشاط استيطاني من نوع آخر حول البلدة القديمة، تمثل في شبكة الأنفاق والجسور والطرق الإستراتيجية التي أنهي العمل في جزء كبير منها، أشهرها شارع النفق أسفل جبل الزيتون، حيث صودر (52) دونماً من أراضي حي واد الجوز، وشارع رقم واحد والذي التهم أكثر من (370) دونماً من أراضي المواطنين، ثم شارع رقم 4 والذي صودر لشقه (2200) دونم من أراضي بيت حنينا القديمة، وتم الانتهاء منه، بالإضافة إلى شارع الطوق الشرقي الذي التهم (1070) دونماً من أراضي عدد من القرى المحيطة بالقدس، ناهيك عن أن جدار الفصل العنصري والذي تقريباً شارف على الانتهاء، ابتلع ما لا يقل عن (72) كم من أراضي المواطنين.

 

•  ديموغرافيا القدس :  لا بد لنا من القول أن هناك علاقة وثيقة بين الأنشطة الاستيطانية داخل البلدة القديمة وحولها، حيث أن الزيادة في عدد السكان المقدسيين داخل حدود ما يسمى "بلدية القدس"، والتي ارتفعت لتصل إلى أكثر من 30% من إجمالي عدد سكان القدس، تثير قلقاً واسعاً لدى صناع القرار "الإسرائيليين"، والذين يرسمون خططهم وبرامجهم وإستراتيجياتهم المستقبلية، على أساس أقل عدد ممكن من السكان المقدسيين العرب، والذين ينظر لهم على أنهم كم زائد يجب التخلص منه، سواء بالطرق المشروعة أو غير المشروعة، ولتحقيق هذه الغاية، وحتى لا يشكل سكان "القدس الشرقية" أغلبية، جرى العمل على إقامة أحزمة استيطانية حول البلدة القديمة وداخلها، وجدار الفصل العنصري، وكل ذلك خشية من أن يصل العرب المقدسيين إلى حوالي 60 % من سكان القدس عام 2020 على رأي الدراسة "الإسرائيلية" التي أعدها خبير الديموغرافيا في الجامعة العبرية "سيرجيو فير غولا"، وهذا الأمر لم يقتصر على الاستيطان ومصادرة الأراضي، بل رافقه تصعيد خطير، وتحديداً بعد إقامة جدار الفصل العنصري، حيث شنت عمليات هدم واسعة ضد منازل المقدسيين تحت حجج وذرائع البناء غير المرخص، ونستطيع القول أنه من بداية الانتفاضة الثانية وحتى اللحظة الراهنة، تم هدم ما لا يقل عن (750) منزلاً، ناهيك عن مئات الأوامر بالهدم، والقيود المشددة على البناء غير المرخص، والغرامات الباهظة والتي تصل إلى مئات الآلاف من الشواقل على البناء غير المرخص، وكذلك الشروط التعجيزية من أجل الحصول على رخص البناء، مثل الطلب من الفلسطينيين إثبات ملكية الأراضي التي ينون إقامة بناء عليها وبتكاليف باهظة من دائرة الطابو، والحصول على مصادقة وموافقة الجيران، ومطاردة وملاحقة الفلسطينيين في هذا الجانب، توسعت بحيث تشمل منع شركة الكهرباء من إيصال الكهرباء للبيوت غير المرخصة، وكذلك منع شركة المياه من تزويد البيوت غير المرخصة بالماء، وكذلك لم يسلم المقاولون والمهندسون وأصحاب شاحنات ومصانع الباطون من ممارسات بلدية الاحتلال وداخليته، حيث يجري مصادرة شاحنات الباطون والمعدات الهندسية المستخدمة في البناء، وتغريم أصحابها وتعريضهم للسجن الفعلي، كما أن "البلدية" أخذت تلجأ إلى وسائل وطرق جديدة للحد من ما يسمى بالبناء غير المرخص، من خلال نشر صور البنايات التي صدر بحقها أوامر هدم إداري تحذر المواطنين من شراء شقق فيها، أو السكن فيها، وكل من يخالف ذلك سيتعرض لأقصى العقوبات، ولا يوجد رقم محدد ومعطى دقيق حول البناء غير المرخص، وهو يتراوح بين 8000 – 12000 بيت، ولم يكتفي الاحتلال بهذه الممارسات والإجراءات والقوانين "القراقوشية" بحق السكان المقدسيين، بل وسعت سلطات الاحتلال وكثفت من نشاطها الاستيطاني، لإحاطة المدينة المقدسة بالأطواق الاستيطانية من كل الجهات "معاليه أدوميم" شرقا و "وجفعات زئيف" غربا، والتجمع الاستيطاني شمالاً مستوطنات "آدم ومعاليه مخماس" وجنوبا ما يعرف بالتجمع الاستيطاني الكبير "غوش عتصيون"، وهذا الطوق من الاستيطان الذي يحتوي القدس في داخله، هو حدود القدس الكبرى التي تساوي 10% من مساحة الضفة الغربية.

 

•  قطاع التعليم الحكومي : هنا لا بد لنا من القول أن أوضاع التعليم الحكومي في "القدس العربية"، التابع لـ"بلدية القدس" ودائرة معارفها، قد وصلت إلى مستويات كارثية، بكل معنى الكلمة، والمسألة ليست قصراً على مرحلة دون الأخرى، ولعل أخطر ما في الأمر، هو خصخصة التعليم في المرحلة الثانوية، وتسليمه إلى شركات ربحية "إسرائيلية"، همها الأول والأساسي، تحقيق الربح، وآخر ما تهتم به الطالب واحتياجاته، حيث هذه المدارس، عدا عن كون الأبنية المستأجرة من قبلها، تفتقر لمبررات وشروط وجودها كمدارس، ولا يوجد فيها مرافق عامة، من ملاعب وساحات وغيرها، والافتقار إلى المكتبات والمختبرات العلمية والمحوسبة، وطواقمها التدريسية، أكل عليها الدهر وشرب، ومعظمهم من الذين تقاعدوا، أو استقالوا من العملية التدريسية، ولكم أن تتخيلوا الأجيال التي تتخرج من هذه المدارس؟!، ولعله من المفيد تدعيم وجهة النظر هذه بالتقارير الحكومية "الإسرائيلية"، حيث كشف تقرير أعده مؤخراً مركز الأبحاث والدراسات في "الكنيست الإسرائيلية"،النقاب عن 50% من طلبة المدارس الثانوية في "القدس العربية"، يتسربون من مدارسهم ومؤسساتهم التعليمية، بسبب سياسة التميز العنصري والإهمال "الإسرائيلية" المتواصلة تجاه جهاز التعليم العربي، بالإضافة إلى رفض "بلدية القدس" تسجيل طلاب فلسطينيين من القدس في مدارس "البلدية"، بزعم عدم وجود أماكن فيها، وكذلك أشار التقرير إلى وجود نقص حاد في الغرف الصفية، وصل العام الدراسي الماضي إلى (1354) غرفة صفية، ومتوقع أن يصل هذا النقص في عام 2010 إلى (1883) غرفة صفية، وهذا يندرج في إطار السياسة "الإسرائيلية" الرسمية الهادفة إلى تقليص عدد السكان العرب في "القدس الشرقية" إلى أقل عدد ممكن، ويظهر هذا التميز واضحاً، في أن "البلدية" تخصص ما نسبته 29% فقط من ميزانية التعليم، لجهاز التعليم في "القدس العربية"، ويتجلى هذا التميز الصارخ ضد جهاز التعليم في "القدس العربية"، من خلال عدم توفر العدد الكافي من المدارس والغرف الصفية، حيث أن هذا النقص ارتفع بين العامين 1995 و 2005 بنسبة 29%، ومن هنا نجد أن أوضاع التعليم الحكومي في "القدس العربية"، هي أكثر من كارثية، حيث أن جهاز المخابرات "الإسرائيلية" "الشاباك" يتدخل في التعينات لإدارات المدارس وكذلك المدرسين، والاحتلال غير معني بتحسين أو تطوير التعليم في "القدس العربية"، لأسباب سياسية، وللعلم فإن أكثر من 45000 طالب من ما مجموعه 75000 من طلبة مدارس القدس، يتلقون تعليمهم في المدارس الحكومية التابعة لبلدية الاحتلال في القدس، والمسألة هنا لا يتحملها الأهالي وحدهم، بل حالة الإهمال الواسعة للمدينة ولهذا القطاع من قبل السلطة والقوى الوطنية الفلسطينية، حيث سلمت بسيطرة الاحتلال على هذا القطاع، ولم تقم بأي جهد حقيقي، أو تبادر إلى صياغة حلول ومقترحات، تمكنها من تعزيز سيطرتها على هذا القطاع، مثل إقامة أبنية مدرسية خاصة في المنطقة الخاضعة لسيطرة بلدية الاحتلال في القدس، أو العمل على تشكيل أجسام مهنية لمتابعة تحصيل الحقوق من الاحتلال في هذا الجانب الحساس، أو تقديم الدعم بطرق غير مباشرة لهذه المدارس، أو العمل على إقامة إتحاد قطري للجان أولياء الأمور يساهم في العمل كجسم ضاغط على بلدية الاحتلال في القدس ودائرة معارفها لانتزاع حقوق الطلبة المقدسيين، من أبنيه، وتجهيزات وبُنى تحتية، ومختبرات وكوادر تعليمية وغيرها، واقتصر الأمر على الهمة، والنشاط والجهد الفردي، للجنة أولياء أمور هنا أو هناك، علما أنه مطلوب خوض نضالات حقيقية في هذا الجانب بالتحديد، لدور وأهمية هذا القطاع في البناء والتطوير والتغير.ونحن نقول إن استمرار الإهمال وعدم تحمل المسئولية في هذا الجانب من شأنه أن يلحق ضرراً بالغاً، ليس فقط بطلبتنا وهويتهم وقوميتهم، بل إن المسألة أبعد من ذلك وتمس هوية وعروبة المدينة المقدسة وكذلك فإن الاستمرار في الندب والبكاء، لن يفيد أو يقدم شيئاً، بل المطلوب من الجميع توحيد وتكثيف جهودهم من أجل عدم تجهيل أجيالنا، وتفريغهم من محتواهم الوطني، ودفعهم إلى حالة من الضياع والتوهان.

 

•  حرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة  : لا بد من نقول أن الاحتلال بعد زيارة "شارون" المشؤومة إلى المسجد الأقصى في 28/9/2000 ، صعدت "إسرائيل" من هجمتها المحمومة والمسعورة على المسجد الأقصى خصوصاً، والمقدسات الإسلامية والمسيحية عموماً، فهي لم تسمح لسكان الضفة الغربية و قطاع غزة مسلمين ومسيحيين، من زيارة الأماكن المقدسة، بل وفي كثير من الأحيان، كانت تفرض قيوداً مشددة على دخول سكان القدس ومناطق عام 1948 إلى المسجد الأقصى، وذلك بعدم السماح لمن تقل أعمارهم عن 45- 50 عاماً من دخول الأقصى، وحتى أنها اتخذت إجراءات بحق الكثير من الشبان المقدسيين وحراس المسجد الأقصى، من خلال الاعتقال، وإصدار أوامر بعدم دخول للمسجد الأقصى لفترات تراوحت من ثلاثة إلى ستة شهور، يجري غالباً تجديدها، وفي إطار الهجمة المسعورة على المسجد الأقصى،  جرى اقتحامه من قبل غلاة المستوطنين أكثر من مرة، وبعلم وقرار رسمي حكومي، كما أن الأوقاف منعت من إجراء أعمال الترميم داخل المسجد الأقصى، وتواصلت أعمال الحفر تحت المسجد الأقصى وفي الطرق المؤدية إليه، في إطار السعي إلى هدم المسجد الأقصى وإقامة ما يسمى بالهيكل المزعوم، حيث أنه في الفترة الأخيرة فإن الحفريات أصبحت تشكل خطراً جدياً وحقيقياً على المسجد الأقصى، وقام الاحتلال من جهة باب المغاربة بهدم التلة المؤدية إلى المسجد الأقصى، كما نُصبت كاميرات مراقبة في كل ساحات الأقصى، وبما ينذر أن الاحتلال يتحين الفرص لتنفيذ مخططاته بشأن هدم الأقصى، في ظل معرفته بحقيقة الموقف العربي والإسلامي الذي لا يتعدى الشجب والإدانة والاستنكار، في حالة إقدامه على مثل هذه الخطوة  وإن حالة العجز والانهيار العربي الرسمي، قد توفر له فرصة مواتية للقيام بخطوة من هذا النوع، ولم تقتصر الانتهاكات على المقدسات الإسلامية بل طالت رجال دين مسيحيين، ممن لهم مواقف قومية ومناهضة ورافضة لسياسات الاحتلال، وداعية إلى الوحدة والتلاحم الإسلامي المسيحي، من أمثال الأب عطا الله حنا، والذي قيدت حركته أكثر من مرة وتعرض للاستجواب والتهديد بالاعتقال، وهذا أيضاً ينسحب على رجال الدين المسلمين من خطباء وقاضي قضاة ورئيس الهيئة الإسلامية ووزير الأوقاف وإمام المسجد الأقصى وغيرهم.

 

• الهموم الاقتصادية والاجتماعية : في هذا الجانب فإن المقدسيين يعانون الأمريين، حيث تتجلى العنصرية والانتهاكات الفظة والفاضحة لحقوق المقدسيين في كل مناحي حياتهم، والمؤسسات "الإسرائيلية" التي تقدم الخدمة لهم في هذه الجوانب، تنفذ السياسات الاحتلالية، وهي مؤسسات للتعذيب "والتطفيش" من تأمين وطني، أو مكاتب الداخلية، أو مؤسسات الضريبة ودوائر "البلدية" المختلفة، حيث تقوم مؤسسة التأمين الوطني بأعمال قرصنة وزعرنة ضد السكان المقدسيين من خلال غارات نهارية وليلية على المقدسيين وبيوتهم،  للتأكد من أماكن سكنهم، وكل من يثبت أنه ساكن خلف الجدار، يفقد حقه في الإقامة وتسحب هويته، ويتعرض لعملية استجواب بوليسي، ويحرم من خدمات التأمين الصحي وخدمات التأمين الوطني، وبهذه الطريقة جرى سحب مئات الهويات في السنوات الأخيرة لسكان مقدسيين، ووزارة الداخلية تلعب دوراً بارزاً في هذا المجال، فأي شخص مقدسي يذهب لتجديد بطاقة هويته، فإنه يتعرض لحالة من الإذلال والمهانة والاستجواب، ويطلب منه إحضار عشرات الوثائق التي تثبت أنه ساكن في القدس، من  فواتير  دفع "الأرنونا" –ضريبة على السكن- وفواتير دفع الماء والكهرباء وشهادات ميلاد الأولاد وشهاداتهم المدرسية ..الخ، ناهيك عن الصعوبات والقيود الموضوعة والمفروضة على جمع شمل العائلات، والتي توجت أخيراً بقانون عنصري، لم يُعمل به حتى في أشد الأنظمة عنصرية، النظام العنصري السابق في جنوب أفريقيا، قانون تقيد الجنسية، أي فلسطيني من الضفة الغربية، أو من غزة يتزوج من فلسطينية تحمل الجنسية "الإسرائيلية"، لا يستطيع الحصول على الجنسية "الإسرائيلية"، وأيضا هناك شروط تعجيزية على تسجيل الأبناء الذين لا يحمل أحد أبويهم الجنسية "الإسرائيلية" – قانون لم الشمل -  وكل هذه الإجراءات تندرج في إطار السياسة "الإسرائيلية" الرسمية الهادفة إلى تقليص عدد العرب إلى أقل عدد ممكن في "القدس الشرقية"، ناهيك عن معاناة المقدسيين القاطنين خلف الجدار، بسبب انفصالهم عن مركز حياتهم، حيث صعوبة الالتحاق بالمدارس والأعمال وتلق الخدمات بمختلف أنواعها  ..إلخ، وفي الكثير من الأحيان يحرمون من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، رغم أن هناك لا توجد سياسة "إسرائيلية" رسمية معلنة حول ذلك.

 

أما بخصوص الضرائب المفروضة على السكان فحدث ولا حرج من ضريبة "الأرنونا" -الضريبة على السكن– إلى ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة وضريبة التلفاز، وضريبة ....إلخ، وهذه الضرائب التي يدفعها المواطن المقدسي، لقاء ما يتلقاه من خدمات لا تكاد تذكر، وبلغت الأرقام، بأن سكان القدس العرب يدفعون ما مجموعه  20% من الضرائب المجباة من السكان، وما يتلقونه من خدمات مقابلها لا يزيد عن 6% ، حيث يتم صرف الضرائب المجباة منهم على مشاريع تطويرية في "القدس الغربية" والمستوطنات، وتستطيع أن تلمس الفرق الهائل في الخدمات بين الشطر الغربي والشطر الشرقي للمدينة، حيث تفتقر "القدس الشرقية" إلى البنية التحتية، فهناك شوارع لم يجري تأهيلها منذ زمن الانتداب البريطاني، مثل شارع القدس – بيت لحم القديم، وشوارع بدون أرصفة ومليئة بالحفر والمطبات وبدون خطوط للمشاة، حيث يُخيل لكَ أن المدينة في القرن التاسع عشر وليس الحادي والعشرون، والكثير من مناطق "القدس العربية" بدون شبكات مجاري وإنارة، وتفتقر إلى أبسط وسائل الترفيه، حيث لا متنزهات عامة ولا حدائق ولا ملاعب ولا مؤسسات شبابية وخدماتية،  وباختصار الخراب هنا "عام وطام"، والهدف هو دفع العرب قسراً لمغادرة المدينة وتفريغها من سكانها، فكثير من المؤسسات غير الحكومية والتي كانت تقدم خدمات للسكان الفلسطينيين، بسبب جدار الفصل العنصري، وصعوبة ؟انتظام عملها، وبسبب تعذر وصول موظفها، هجرت المدينة إلى خارج القدس، ومن لم يغلق بفعل الاحتلال وإجراءاته التعسفية، يغادر المدينة، بفعل الإهمال والتقصير الفلسطيني، حيث أن الكثير من المؤسسات المقدسية، تعاني من أزمات مادية خانقة، والسلطة لم تقدم لها سوى الوعود والشعارات والخطب والبيانات.

 

• الهم الوطني والسياسي :  بعد احتلال عام (1967)، وبما لا يزيد عن شهر أعلن عن قانون ضم القدس ، واعتبرت عاصمة أبدية لـ"إسرائيل"، وحظر فيها أي نشاط سياسي أو وطني ، وشنت سلطات الاحتلال حملة شعواء على الحركة الوطنية التي أبدت مقاومة شرسة في هذا الجانب، ودفعت مدينة القدس كباقي المدن والمحافظات الفلسطينية ثمناً باهظاُ شهداء وجرحى ومعتقلين، وجرى التعامل مع أسرى القدس بخصوصية، بقصد قتل روح الانتماء والنضال والتضحية عند أهل القدس، حيث أن الأسرى الفلسطينيون من حملة هوية القدس، كانت تفرض المحاكم "الإسرائيلية" عليهم في محاكمها المدينة أحكام مرتفعة، بحجة أنهم "خونة" للدولة، وكذلك ترفض أن يجري إطلاق سراحهم في أية صفقات إفراج، بحجة أنهم مواطنين "إسرائيليين"، وكذلك أي مؤسسة فلسطينية تمارس أي نشاط وطني أو سياسي، يجري إغلاقها، وتمنع إقامة أية مهرجانات أو احتفالات ذات طابع وطني أو سياسي في مدينة القدس، وبعد الانتفاضة الثانية، شنت سلطات الاحتلال حملة واسعة على المؤسسات المقدسية، حيث جرى إغلاق بيت الشرق، والكثير من المؤسسات الاجتماعية والخدماتية تحت يافطة وذريعة، علاقاتها بالقوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، توجيها وتمويلاً ونشاطاً، وحسب مركز القدس للدراسات الاجتماعية والاقتصادية، جرى إغلاق ما مجموعه 33 مؤسسة، ولم يكتفي الاحتلال بذلك، بل إنه وضع قيوداً على مشاركة المقدسيين في الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية، وأعتقل الكثير من كوادر حماس والجبهة الشعبية على خلفيتها، تحت حجج وذرائع أنها منظمات إرهابية، رغم  أن اتفاقيات أوسلو المذلة، شرّعت وسمحت لهم المشاركة في الانتخابات، بل وداهمت مهرجانات واجتماعات انتخابية لمرشحين مقدسيين، وحتى بعد السماح للمقدسيين بالمشاركة في هذه الانتخابات، جرى اعتقال عدد من المرشحين ولفترات قصيرة، كما جرى فرض غرامات عالية على المرشحين المقدسيين الذين مارسوا الدعاية الانتخابية في القدس، وذهب الاحتلال خطوة أبعد من ذلك، حيث أنه بعد أسر الجندي "الإسرائيلي" "جلعاد شاليط"، من قبل المقاومة الفلسطينية في حزيران الفائت، قامت باعتقال وزير شؤون القدس المهندس خالد أبو عرفة ونواب دائرة القدس، الأربعة من كتلة الإصلاح والتغير، وما يسمى بوزير القدس أو محافظ القدس، ونوابها المنتخبين وفق الاتفاقيات الموقعة بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية، لا يسمح لهم بمزاولة نشاطهم، في المناطق المقدسية، الواقعة تحت نفوذ ما يسمى "بلدية القدس"، ناهيك أن من لا يحمل منهم الهوية المقدسية "الهوية الزرقاء" لا يحق له دخول مدينة القدس، كما إن سلطات الاحتلال سحبت "الهويات الزرقاء"، من عدد من الأسرى المقدسيين والذين شاركوا في أنشطة وطنية ضد الاحتلال، وشرعت بإجراءات قضائية، لسحب هويات نواب القدس، وبما لا يدع مجالاً للشك بأن الاحتلال لا يلتزم أو يحترم أية اتفاقيات وحتى لو كانت هزيلة، وعلى غرار اتفاقية أوسلو، والاحتلال يبني خططه وإستراتيجياته على أساس تهويد المدينة المقدسة وأسرلة سكانها، وهو يتصرف ضمن هذه الرؤيا رسمياً وشعبياً، وبالتالي فإن من وافق على تأجيل قضية القدس، حتى المرحلة النهائية ارتكب خطأ فادحاً، حيث أن الاحتلال يواصل سياساته وإجراءاته ضد القدس وأهلها، غير عابئ بأية اتفاقيات أو مواثيق أو أعراف دولية، وهذا كله يدفعنا إلى أن نستعرض بشكل مكثف الموقف الفلسطيني من أهل المدينة المقدسة، على ضوء كل ما تم ذكره من ممارسات وإجراءات وانتهاكات "إسرائيلية" لحقوق المواطنين الفلسطينيين سوءاً في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، أو الهم الوطني والسياسي.

 

• الموقف الفلسطيني : سنقوم بطرق هذا الموضوع من فترة ما بعد قدوم السلطة الفلسطينية، حيث أن التعامل والتعاطي مع هذه القضية، والتي هي على درجة عالية من الأهمية،  ولكونها إحدى ركائز البرنامج الوطني الفلسطيني، فقط بشكل تسطيحي وفئوية ونزق وردود فعل، واللعب على وتر العواطف والشعارات والبيانات والاستنكارات، و"الهوبرات" الإعلامية، ولغة "الفرمانات" وبأمر مولانا السلطان، وكذلك جرى التعامل مع أهل القدس بفوقية، وبأن هناك من يفكر لكم وعنكم، وكأن أهل المدينة المقدسة قطيع من الأغنام، لا رأي ولا وجهة نظر لهم، ولم توضع أية عناوين أو مرجعيات واضحة ومحددة لهم، لا في الهم السياسي والوطني، ولا في الهموم الاقتصادية والاجتماعية، إلا في الإطار الشكلي،  كما إن الصراعات والنزاعات والخلافات داخل بيت السلطة الحاكمة وحزبها الرئيسي عكست نفسها على قضية القدس، حيث كان هناك في الإطار النظري والشكلي والإعلامي عشرات اللجان المعنية بموضوعة القدس، والمتضاربة في المهام والصلاحيات، فهناك مسؤول ملف القدس، ووزير مكلف بشؤون القدس، اللجنة الوزارية الخاصة بالقدس، واللجنة البرلمانية لشؤون القدس، واللجنة الرئاسية لشؤون القدس, واللجنة الفصائلية لشؤون القدس، وقد تم إجهاض كافة الجهود التي كانت تبذل من أجل إيجاد مرجعية منتخبة لأهل المدينة المقدسة، تعالج همومهم المباشرة اقتصاديا واجتماعيا، ورغم أن المرحوم فيصل الحسيني، كان يشكل أحد العناوين الهامة في القدس، وكان مقر بيت الشرق بمثابة المرجعية والعنوان لأهل المدينة المقدسة، إلا أن تعدد مصادر القرار واللجان المشكلة المتضاربة في المهام والمسؤوليات، لعبت دوراً سلبيا في هذا الاتجاه، بحيث عاني أهل القدس من حالة توهان وتولد لديهم شعور عالي بالإحباط واليأس من السلطة الفلسطينية والقوى والأحزاب الوطنية، نتيجة ذلك ولكون العلاقة مع السلطة خضعت للعلاقة الشخصية والحزبية، والقرب والبعد من مركز القرار، ولم توضع أو ترسم أية خطط أو برامج عملية، للتعاطي مع هموم المقدسيين بشكل جدي وعملي، وأصبحت المدينة تعيش حالة من الفوضى، وأرتهن العمل فيها والتصدي لممارسات الاحتلال بحقهم على " الفرمانات " والتعينات الفوقية والفئوية، من قيادة ورأس السلطة الفلسطينية، وكذلك على الجهد الفردي والفئوي، وكان الجهد مبعثر وغير موحد، ولم تحدث أية تراكمات يبنى عليها، ورغم أن قضية القدس، هي قضية مصيرية، وإحدى مرتكزات البرنامج الوطني، وهي أكبر من كل جهد فئوي أو فصائلي، إلا أن التعاطي معها، في إطار منظومة من الشعارات "والكليشات" الجاهزة، من طراز القدس عاصمة الدولة الفلسطينية، والقدس خط أحمر، ولنكتشف لاحقاً، أنها مثل حرمة الدم الفلسطيني، لا خط أحمر ولا أصفر، ولا سلام بدون القدس، والقدس مفتاح الحرب والسلام، وهذه المنظومة من الكلام واللغو والإطناب والجناس والبلاغة، وبدون أية ترجمات عملية على الأرض، لا تحرر أوطاناً ولا تعيد أرضاً، ولا تقنع أهل المدينة المقدسة بجدية التوجه الفلسطيني تجاه قضاياهم، وفي هذا المجال نسجل الكثير الكثير، حيث أنه في إطار المعركة، على السيادة في "القدس العربية" ، فإن الاحتلال يشن حملة شرسة على البيوت المقدسية، ويقوم بهدمها أو فرض غرامات مالية باهظة عليها، تحت حجج ويافطة وذرائع البناء غير المرخص، والسلطة لم تقدم لهم أية مساعدات جدية في هذا الجانب، وكذلك الكثير من المؤسسات الفلسطينية المقدسية، والتي تمر بأزمات مالية خانقة، لم يجري دعمها وإسنادها من أجل الصمود واستمرار العمل في القدس، وأيضاً لم تعمل السلطة الفلسطينية على إقامة مدارس أو مشاريع إسكان في المناطق الواقعة تحت سيطرة نفوذ بلدية الاحتلال في القدس، وكل ذلك قاد حتما إلى شعور تولد عند المقدسيين، وكما قال الأستاذ نبيه بري في تموز الفائت، أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان للعرب، "والله إننا عرب"، والمقدسيون رغم كل المرارة والإحباط المتولد عندهم تجاه السلطة، فإنهم استمروا في قرع جدران الخزان والقول للسلطة بأنهم فلسطينيون أقحاح، وأنهم يستمدون فلسطينيتهم من التمسك بأرضهم وبنضالاتهم وبعذابات أسراهم، وهي ليست مجالاً للشك أو المزايدة، ولكن على السلطة أن تعطي قضية القدس الاهتمام الذي يليق بالمدينة المقدسة، كأحد عناوين النضال الفلسطيني، وليس اختزالها إلى دائرة في مكتب الرئاسة، أو تعين مسؤول أو وزير لشؤون القدس، كل شيء يستطيع أن يفتي فيه إلا موضوع القدس، فهو: أولا:  لا يستطيع الدخول إلى القدس، وثانياً:  ليس لديه الإلمام والمعرفة بهموم ومشاكل أهل القدس، والمسألة ليست خاضعة ولا تحتمل التجريب واللعب والقدس ليست عاقر، بل فيها الكثير الكثير من الكفاءات القادرة على تحمل أعباء المدينة المقدسة عن فهم وعلم ودراية وخبرة وكفاءة وتجربة.

 

ومن هنا فأنه من الهام جداً، وحتى نستطيع أن نواجه الممارسات والإجراءات "الإسرائيلية"  في القدس، فأنا أرى أن العمل يجب أن يركز على المحاور التالية :

 

•  ضرورة العمل الجاد من أجل إيجاد مرجعيات وعناوين واضحة ومحددة وموحدة لأهل القدس في الجوانب والهموم الاقتصادية والاجتماعية، من خلال عقد مؤتمرات شعبية قطاعية تفرز مندوبيها إلى هيئة أو لجنة تنفيذية، على أن يصار إلى فرز سكرتاريا، تصرف العمل اليومي في كل المجالات والقطاعات الخدماتية والصحية والاجتماعية والحياتية، وضرورة مشاركة ممثلي القوى والأحزاب فيها، لإعطائها الزخم والقوة والقدرة على العمل والتنفيذ.

 

• في الهم السياسي – الوطني :  تكون هناك لجنة أو هيئة من القوى الوطنية والإسلامية تتولى هذه المسؤولية، وتكون صلتها مباشرة مع اللجنة التنفيذية لـ"م – ت – ف"، على اعتبار أن هذا الموضوع، هو أحد مرتكزات المشروع الوطني الفلسطيني، ومسألة التقرير بشأنه من مسؤولية "م- ت  - ف" الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

 

• العمل على إنشاء صندوق دعم خاص بالقدس، بتمويل عربي– إسلامي، يعمل على تقديم الدعم والإسناد لأهالي القدس في مختلف المجالات، وتحديداً في مجال البناء، والعمل على تغير شروط الدعم للإسكان والبناء، وخاصة لأصحاب الدخل المحدود والذين لا يمتلكون الأموال الكافية من أجل الحصول على رخص البناء، على أن يصار إلى وضع نظام وضوابط، تمكن من استعادة الأموال الممنوحة للأشخاص من أجل البناء، حتى يمكن الاستفادة منها مرة أخرى من قبل أشخاص آخرين.

 

• العمل على إيجاد جسم مهني واحد "إتحاد قطري للجان أولياء الأمور في المدارس الحكومية"، وبما يعزز من الحضور والتأثير الوطني في هذه المدارس، وكذلك تشكيل عامل ضغط على "البلدية" و"دائرة المعارف الإسرائيلية"، من أجل المطالبة بحقوق تعليمية، مثل الأبنية المدرسية والبُنى التحتية، والتجهيزات من مختبرات علمية ومحوسبة ومكتبات وكوادر تعليمية ذات كفاءة وغيرها، وضرورة العمل على وضع خطة شاملة لإقامة مدارس خاصة في حدود ما يسمى بـ"بلدية القدس"، لتعزيز السيطرة وحسم ما يسمى مسألة السيادة على القدس.

 

• في ضوء حالة الفلتان والتآكل في منظومة القيم والمعاير، وتهتك نسيج الوحدة واللحمة السياسية والمجتمعية الفلسطينية، وتنامي العشائرية والجهوية والقبلية والطائفية، وسيادة سلطة المليشيات والمافيات بمختلف مسمياتها، فإن السلطة الفلسطينية والقوى والأحزاب الوطنية، مطالبة بالعمل على إيجاد وتشكيل جسم يختص بمعالجة كافة القضايا العشائرية وما ينتج ويتفرع عنها من مشاكل وقضايا اجتماعية، حيث أن الاحتلال أغرق المنطقة في الإشكالات والآفات والأمراض الاجتماعية، بغرض تفريغ المقدسيين من محتواهم الوطني، ودفعهم وإلهائهم في المشاكل والاحتراب القبلي والعشائري والجهوي.

 

• ضرورة العمل على إعادة المؤسسات التي هُجرت قسراً من القدس بفعل الاحتلال وسياساته، لما له من أهمية وجود مثل هذه المؤسسات غير الحكومية، والتي تقدم خدماتها إلى الفئات المهمشة والفقيرة من المجتمع المقدسي، وكذلك الخدمات والبرامج التوعوية للشباب والنساء وغيرهم.
إن استمرار العمل والتعاطي مع موضوع القدس بالطرق والآليات السابقة، من خلال لغة "الفرمانات" والتعينات الفوقية، وبأمر مولانا السلطان، وكذلك الإكثار من "الهوبرات" الإعلامية والشعارات والبيانات والإدانات والاستنكارات، ومخاطبة المشاعر والعواطف، بدون اقتران ذلك بأية ترجمات عملية وأفعال على أرض الواقع، سيزيد من حالة الإحباط واليأس وعدم الثقة والمصداقية المتآكلة أصلاً من قبل المقدسيين تجاه السلطة الفلسطينية، وبالمقابل فإنه يجب على المقدسيين، عدم الاكتفاء بالبكاء والندب، وجلد الذات؟، بل عليهم العمل والمبادرة، لتشكيل أجسام وطنية ومهنية تتصدى لكافة الممارسات والإجراءات "الإسرائيلية" المستهدفة لوجودهم ومستقبلهم في هذه المدينة المقدسة.

 

                                                                                    

المراجع :

 

1. راسم عبيدات ، القدس ... مرجعيات متعددة وشعارات كبيرة وأعمال قليلة، جريدة القدس، 10/6/2003.
2. راسم عبيدات، "القدس الشرقية" ... بنى تحتية مدمرة وخدمات شبه معدومة، جريدة القدس، 14/11/2004.
3.  راسم عبيدات، القدس غياب سلطة .... فوضى وإنفلات ،  جريدة القدس ، 23/12/2004  .
4. راسم عبيدات، في القدس الخراب "عام وطام"، ولا أحد يتحمل المسؤولية، جريدة القدس، 12/4/2005 .
5. راسم عبيدات، القدس ... ليست بحاجة لـ"فرمانات"  جديدة ، جريدة القدس، 23/5/2005.
6. راسم عبيدات، واقع التعليم الحكومي في "القدس الشرقية"، جريدة القدس، 24/9/2006.
7.  راسم عبيدات، الوجه الآخر للقدس، جريدة القدس، 14/12/2006.
8. راسم عبيدات، القدس ... أوضاع كارثية بحاجة لوقفة جاده ، جريدة القدس ، 11/1/2007 .
9.  راسم عبيدات، الكارثة تحدق بقطاع التعليم الحكومي في "القدس الشرقية"، جريدة القدس، 8/3/2007.
10.  رامي العف، تقرير إخباري، مدينة القدس باتت أكثر عزلة بفعل الجدار والمستوطنات والتهويد، موقع جولان الإلكتروني ، 6/4/2007.

                                                                        

 * شكرٌ خاص للقائمين على المؤتمر الدوليّ لنصرة القدس الأول الذي انعقد في كلّ من القدس المحتلة وغزة وبيروت في الفترة 6-7 حزيران 2007م حيث قًدّم هذا البحث في الجلسة الأولى من المؤتمر والذي تناول المحور السياسيّ لقضيّة القدس.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »