واجب الأمتين العربية والإسلامية نحو القدس

تاريخ الإضافة الأربعاء 29 تشرين الأول 2008 - 10:47 ص    عدد الزيارات 25956    التعليقات 0

        

واجب الأمتين العربية والإسلامية
 نحو القدس

 

 

إعداد
 الدكتور/ إسماعيل أمين نواهضة
خطيب المسجد الأقصى المبارك
 أستاذ بجامعة القدس.

 

 
المبحث الأول: التعريف بالقدس

 

القدس مدينة يبوسية واليبوسيون من القبائل الكنعانية، والكنعانيون من ذرية سام، ويعتبر اليبوسيون هم بناة القدس الأولون. وكانت على عهدهم تدعى: (يبوس). إنهم بطن من بطون العرب الأوائل. نشؤوا في قلب الجزيرة العربية، وترعرعوا في أرجائها، ثم نزحوا عنها مع من نزح من القبائل الكنعانية. وإلى هذه القبائل ينتمون. إنهم أول من استوطن هذه الديار. وهم أول من وضع لبنة في بناء القدس. وكان ذلك حوالي سنة 3000 قبل الميلاد.

وكانت يبوس في ذلك العهد حصينة، وكانت آهلة بالسكان، وكانت المواشي تسرح في جنباتها، وكانت تزرع فيها أشجار العنب والزيتون، وقصارى القول: كانت أرض كنعان بوجه عام  ويبوس بوجه خاص تفيض لبناً وعسلاً. الأمر الذي حدا بالأقدمين على تشبيهها بالجنة.

 

عندما خرج بنو إسرائيل من مصر، وأطلوا على أرض كنعان، رأوا فيها ما رأوا من خيرات وبركات.. وكانوا قد سمعوا عنها ما سمعوا.. راحوا يغيرون عليها بقصد امتلاكها... قائلين: إنها هي الأرض التي وعدهم الله بها.

 

عندئذ أيقن الكنعانيون أن مصلحتهم تقضي عليهم بنسيان الماضي – يوم كانوا في احتراب مع المصريين – فطلبوا العون من مصر. لاعتقادهم أن المصريين أولى من بني إسرائيل. ذلك لأن بني إسرائيل كان دأبهم، كلما احتلوا مدينة، أن يعملوا فيها وفي سكانها السيف والنار. وأما المصريون فقد كانوا يكتفون بالجزية. فلا يتعرضون لسكان البلاد وعاداتهم ومعتقداتهم.

 

ولم يتوان المصريون في مد يد العون إلى الكنعانيين. فراحوا يدفعون عنهم الأذى ، ونجحوا في صد الغارات التي كان  يشنها عليهم العبريون. (1)
وقد أشارت الموسوعة البريطانية إلى أن بني إسرائيل عندما هبطوا هذه البلاد كان فيها أقوام وشعوب من بني عناق وبني كلاب من أبناء الجزيرة العربية. وإن هؤلاء (أي بني عناق وبني كلاب) امتازوا بالجرأة وعدم الخوف. وإنهم تغلبوا على داود وأتباعه الذين جاءوا واستوطنوا المنطقة الواقعة جنوبي الخليل. وعندما جاءوا إلى الشمال اصطدموا ببني كلاب.

 

وهذا ما يؤكد لنا بصورة لا تقبل الشك أن العرب هم أصحاب هذه البلاد وليس غيرهم.

 

هل كان لليهود حضارة في فلسطين ؟
جميع الدلائل تشير إلى أنه لم يكن لهم حضارة فقد جاءوا إليها بالحديد والنار  والخراب والدمار. فكسروا ونهبوا، وقتلوا، وفتكوا وأتوا بجميع أنواع الفظائع والمنكرات عندما احتلوا هذه البلاد.

 

وهذه هي وصية يشوع إلى قومه عندما احتلوا أريحا والتي ورد ذكرها في أسفار العهد القديم. فإنها أصدق شاهد على ذلك. ويقال أن المدن التي عجز العبرانيون عن فتحها كانت ذات حضارة قديمة نشأت منذ ألف وخمسمائة سنة. ومنازل متقنة حوت كثيراً من أسباب الراحة والرفاهية. وحكومة وصناعة وتجارة وعلم ومعرفة بالكتابة. حضارة اقتبسها أولئك العبرانيون السذج من مواطنيهم لأنهم لم يستطيعوا أن يعيشوا بمعزل عن أهل المدن الكنعانية التي عجزوا عن افتتاحها. وقد أحدث هذا الامتزاج تغيرات جوهرية في حياة العبرانيين، فغادر بعضهم سكنى الخيام، وشرعوا يبنون بيوتاً كبيوت الكنعانيين. وخلعوا عنهم الجلود التي كانوا يلبسونها وهم في البادية. ولبسوا عوضاً عنها الثياب الكنعانية، المصنوعة من منسوجات صوفية زاهية. هذا ما جرى للعبرانيين الذين أقاموا في الشمال الخصيب. وأما أولئك الذين أقاموا في الجنوب الماحل من فلسطين فقد حافظوا على أسلوب معيشتهم البدوية القديمة. (2)

 

 
القدس والفتح الإسلامي:

 

إن مدينة القدس – كما بينت – عربية الأصول، إسلامية الجذور،مباركة من الناحية المادية فهي مليئة بالعيون والثمار والخيرات، ومباركة من الناحية الروحانية فهي مهد الأنبياء والرسل، وهي قبلة المسلمين الأولى، فيها المسجد الأقصى المبارك، ثاني مسجد بني على وجه الأرض، وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال، وثواب الصلاة فيه بخمسمائة صلاة، وقد أسري بالرسول – صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما جاء في الآية الكريمة (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) (3).

 

وقال أحد الصحابة: لو لم يكن لبيت المقدس من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافية، لأنه إذا بورك حوله فالبركة فيه محققة ومضاعفة.
وقد وردت آيات كريمة أخرى تبين فضائل بيت المقدس منها:
قوله تعالى: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على  أدباركم فتنقلبوا خاسرين) (4).

 

وقوله تعالى: (وأورثنا القوم الذين استضعفوا مشارق الأرض ومغاربها التي
باركنا فيها) (5)

 

وقوله تعالى:(ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) (6)

 

قال ابن عباس – رضي الله عنهما - :هي الأرض المقدسة بارك الله فيها للعالمين، لأن كل ماء عذب في الأرض يخرج منها من أصل الصخرة الشريفة ثم يتفرق في الأرض.

 

وقوله تعالى: (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) قال ابن عباس: الأرض المقدسة  ترثها  أمة محمد – صلى الله عليه وسلم -. (7) وقوله تعالى: (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) (8) قال ابن عباس وقتادة وكعب : هي بيت المقدس. وقوله تعالى: (استمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب) (9) قال ابن عباس: المنادي هو إسرافيل عليه السلام، ينادي من صخرة بيت المقدس بالحشر وهي وسط الأرض. وقوله تعالى: (فضرب بينهم  بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) (10) وقوله تعالى: (ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين)(11).
قال ابن عباس: لم يخص الله تعالى مسجداً سوى بيت المقدس بأن وعدهم أن يغفر لهم خطاياهم بالسجود فيه دون غيره إلا بفضل خصه به. وقوله تعالى: (والتين
والزيتون) (12)

 

قال عقبة بن عامر: التين دمشق والزيتون بيت المقدس.
الأحاديث والآثار الدالة على فضائل بيت المقدس والمسجد الأقصى:
منها: قول الرسول – صلى الله عليه وسلم - : (لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، والمسجد الأقصى) (13). وقوله – صلى الله عليه وسلم - : (بيت المقدس أرض المحشر، ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره)(14) وقوله – صلى الله عليه وسلم - : (من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس) (*).

 

وقوله – صلى الله عليه وسلم – (من زار بيت المقدس محتسباً حرّم الله لحمه وجسده على النار) (*) وقوله – صلى الله عليه وسلم - : (من حج البيت واعتمر وصلّى ببيت المقدس وجاهد ورابط فقد استكمل جميع سنني) (*) وقوله – صلى الله عليه وسلم- : (صلاة في المسجد الحرام أفضل مما سواه من المساجد بمائة ألف صلاة، وصلاة في مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه، وصلاة في مسجد بيت المقدس أفضل مما سواهن من المساجد بخمسمائة صلاة) (15).
وقوله – صلى الله عليه وسلم - : (صليت ليلة أسري بي إلى بيت المقدس عن يمين الصخرة) (16).

 

هذه جملة من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية  تبين مكانة القدس ومكانة المسجد الأقصى المبارك بالنسبة للمسلمين، وكان لها الأثر البالغ في نفوسهم، ففتحوها عام (638)م. بعد حصار طويل أضنى سكانها، فاضطرهم إلى طلب السلام، شريطة أن يحضر الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بنفسه ليتسلم المدينة، وهذا ما حصل فقد استجاب عمر بن الخطاب لهذا الطلب، حيث دخل القدس عن طريق جبل طور زيتا، فكبر المسلمون لما رأوه.
ويقول الواقدي في فتوح الشام: (وكان عمر – رضي الله عنه – ممتطياً بعيراً أحمر عليه غرارتان في أحدهما سويق، وفي الآخر تمر، وبين يديه قربة مملوءة بالماء، وخلفه جفنة للزاد).

 

وذكر ابن الجوزي أن الخليفة عمر – رضي الله عنه – كان يتبادل مع غلام له الركوب على الراحلة، فعندما بلغ الخليفة سور المدينة كان دور الركوب لغلامه فنزل عمر، وركب الغلام وعمر يمسك بخطام البعير، فلما رآه المحسورون آخذاً بمقود الراحلة وغلامه فوقها أكبروه، وبكى بطريرك النصارى (صفريونيوس) وقال: إن دولتكم باقية على الدهر فدولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة. أما البطريرك اليعقوبي في أنطاكية فقد قال: إن الله  المنتقم الواحد القهار، أثار من الجنوب أبناء إسماعيل لإنقاذنا من أيدي الرومان، وإن هذا الخلاص  لم يكن ميزة هينة لنا. كما عبر النساطرة عن موقف مماثل  بقولهم: إن قلوب المسيحيين انشرحت بسيادة المسلمين، فليزد الله في قوة هذه السيادة، وليجعلها زاهرة. ولم ينقطع هذا التضامن وهذا التلاحم بين المسلمين والمسيحيين بل استمر إلى وقتنا الحاضر، وقد شهد بذلك كثير من الكتاب اليهود وساستهم وصحفهم. وكتب عمر- رضي الله عنه – وثيقة الأمان (العهدة العمرية) (17).

 

لقد كان سلوك العرب المسيحيين تجاه إخوانهم العرب المسلمين سلوكاً تميز بالتعاون والانسجام والتنسيق من أجل الحفاظ على الأماكن المقدسة والدفاع عنها. وفي المقابل كان سلوك العرب المسلمين تجاه المسيحيين نابعاً من تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة السلف الصالح، وتمثل في اعتبارهم أهل كتاب سماوي، ولهم ذمة الله ورسوله والمؤمنين، تحميهم وترعاهم وتصون حقوقهم وحرياتهم ومعتقداتهم وتعفيهم من الخدمة العسكرية، ويأتي هذا  تتويجا وتطبيقا لقوله تعالى : (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى)(18).

 

ومن الواضح أن العهدة العمرية ميزت بين مواطني القدس المسيحيين العرب، وبين المسيحيين الروم البيزنطيين، فالعهدة أعطيت لأهل القدس، وليس للسلطة البيزنطية.
عناية المسلمين ببيت المقدس:
وفي العهد الأموي والعباسي اعتنى المسلمون ببيت المقدس عمارة وتشييداً، واتخذ عمر بن عبد العزيز من المسجد الأقصى المبارك محلاً لزيارة ولاته لبيت المقدس ليقسموا يمين الطاعة والعدل بين الناس.
وبقي المسجد الأقصى  وبيت المقدس محل العناية والاهتمام إلى أن وقعا تحت الاحتلال الصليبي فعاث فيهما فساداً حيث قتلوا آلاف المسلمين، فكان النظر لا يقع إلا على أكوام من الرؤوس والأيدي والأكوام المقطوعة في الطرقات والساحات، كما قام المحتلون بنهب جميع الأمتعة، وخربوا أثاث المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة ونهبوا القناديل. ودام هذا الاحتلال مدة إحدى وتسعين سنة إلى أن بعث الله تعالى القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله– فعمل على تحرير بيت المقدس من أيدي الصليبيين، حيث تم تسلم المدينة في السابع والعشرين من شهر رجب عام 583هـ

 

ومن ثم جاء حكم المماليك والعثمانيين وبقي بيت المقدس تحت رعايتهم إلى أن بدأت الدولة العثمانية تضعف وبدأت القوى العظمى تنال من  شخصيتها، وفي سنة 1914م نشبت الحرب العالمية الأولى، فوقف الحلفاء ضد الدولة العثمانية، وحدثت الثورة العربية الكبرى، وتسببت هذه الأحداث بوقوع فلسطين تحت الانتداب الإنجليزي عام 1917م، وبقيت على هذه الحال إلى أن ألغى الإنجليز انتدابهم على فلسطين، وأوعزوا  لليهود لإعلان دولتهم على الجزء الأكبر من فلسطين، واتخذوا "القدس الغربية" عاصمة لهم.

 

القدس تحت الاحتلال "الإسرائيلي":

 

في عام 1967م أعلنت "إسرائيل" ضم مدينة "القدس الشرقية" إلى "القدس الغربية"، واعتبرتها مدينة موحدة وكان ذلك في 28/6/1967م. وفي 5/8/1980م أعلنت "إسرائيل" أيضاً "أن القدس الموحدة هي عاصمتها الأبدية". وأخذت بالعمل على تهويد "القدس الشرقية" ببطء وهدوء. تمثل ذلك بالآتي:

 

1 – تنفيذ جريمة حرق المسجد الأقصى المبارك  صبيحة يوم الخميس 21/8/1969م.

2 – القيام  بالحفريات المستمرة وشق الأنفاق تحت ساحات المسجد الأقصى وتحت جدرانه وفي المناطق المحيطة بهدف البحث عن هيكل سليمان المزعوم، مما يكون سببا في تعريضه  للهدم والخطر.
3 – زرع المدينة المقدسة والقرى  والمدن المحيطة بها بالمستوطنات، والاستيلاء على مساحات كبيرة من الأرض الفلسطينية بشكل عام ومن أرض القدس بشكل خاص، وهدم الكثير من البيوت العربية بحجة عدم الترخيص، وفي نفس الوقت الامتناع عن إصدار تراخيص للبناء للسكان العرب وتسهيل ذلك لليهود.
4 – تنفيذ المجازر الجماعية في المدينة المقدسة مثل ما حدث في المسجد الأقصى وقبة الصخرة  والحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل وفي أماكن أخرى من فلسطين.
5 – محاولة العمل وبشكل مستمر على طرد  السكان الأصليين من القدس حتى تبقى الأغلبية من السكان لهم. تمثل ذلك بسحب هويات المقدسيين، وفرض الضرائب الخيالية  عليهم، وحرمانهم  من الكثير من الخدمات الاجتماعية.
6 – إحاطة المدينة المقدسة بشكل خاص والأراضي الفلسطينية بشكل عام بجدار الفصل العنصري، والذي حول بدوره الأراضي الفلسطينية إلى كنتونات بل إلى سجون مغلقة، كما تسبب بعزل القدس عن باقي المدن والقرى الفلسطينية.
7 – منع العرب من الوصول إلى القدس وحرمانهم من الصلاة في المسجد الأقصى المبارك.
8 – فرض قيود مشددة على دخول المقدسيين المسجد الأقصى، وذلك بتحديد أعمار محددة لمن تسمح لهم بدخوله، وبخاصة أيام الجمع مما يضطر الكثير من هؤلاء الشباب إلى تأدية صلاة الجمعة في الشوارع.
9 – العمل على إغلاق الكثير من المؤسسات العربية والإسلامية  في المدينة المقدسة وعلى رأسها مؤسسات أكاديمية واجتماعية وثقافية.
10 – العمل على تنفيذ – وبشكل متسارع –  مخطط  "القدس الكبرى" من خلال توسيع مساحتها على حساب الأرض العربية. الأمر الذي يكشف بكل وضوح عن الخطر الشديد الذي يتهدد المدينة المقدسة، وإن هذا الخطر يتفاقم ويزداد يوماً بعد يوم.
11 -  تنفيذ عمليات قتل واغتيال واعتقال الكثير من شباب بيت المقدس والمدن والقرى الفلسطينية، مما يؤدي إلى نشر حالة من الرعب والخوف بين السكان.
12 – العمل على نشر الأمور التي من شأنها إفساد الشباب كالمخدرات وغيرها.

 

وهكذا عملت "السلطات الإسرائيلية" وما زالت تعمل على تهويد القدس من الناحية الجغرافية والسكانية لعزلها بشكل كامل عن المدن والقرى الفلسطينية  سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، حيث إن إخواننا في القطاع محرومون منذ زمن من الوصول إلى المدينة المقدسة.

 

القدس محور السلام:

 

الجميع يعلم أن القدس هي لب الصراع القائم في الشرق الأوسط إن لم يكن في العالم أجمع. ولا أحد يستطيع تجاهل هذا الواقع الذي يدعو إلى التأمل في قضية القدس من السلام.
من الأخطاء التي حصلت في مسيرة السلام تأجيل قضية القدس إلى النهاية لصعوبة وضعها، والحقيقة إن الحل يبدأ من قضية القدس، حيث إن القيم التي تمثلها هذه المدينة المقدسة هي الكفيلة بالوصول نحو سلام حقيقي، فسلام فلسطين وسلام العالم هو سلام القدس.
نعم إن القدس محور السلام، يتجسد فيها الأمل في العدل والسلام. والقدس محور السلام والعدل من واقع القدس المادي والروحي. فلا يمكن أن يتم السلام لفئة على حساب فئة أخرى، كما لا يمكن أن ينعم شعب بسلام القدس في الوقت الذي يحرم الغير من هذه النعمة, وهذا يتطلب بعداً سياسياً أوسع، يستوعب معطيات القدس ومركزيتها للجميع.
ومن هذا المنطلق تصبح القدس نقطة لقاء وتفاهم لا نقطة تنافر وتباعد، إن الفشل في الوصول إلى هذا الحل يعني إبقاء المنطقة على بركان دفين يمكن أن ينفجر في أي وقت، إن القدس تستحق كل ما يمكن أن يبذل من جهود تجند لها أفضل الطاقات الخلاقة، لإيجاد الحل الذي يشعر به كل من ينتمي إلى هذه المدينة انتماء قوميا أو روحياً أنه في بيته، حيث لا ظالم ولا مظلوم، ومن هنا نستطيع أن نقول : إن مصير القدس يتعدى ويتجاوز حدود أهلها ومحبيها، لأنه صورة لمصير العالم كله، وما يحدث فيها من حروب وخصومات لا يمكن أن يترك العالم محايداً ولا مبالياً، لأنه يعرف مصيره يتقرر في رحابها المقدسة، فإذا عجزت مكانتها الروحية والدينية عن خلق آلية السلام، فمعنى ذلك أن أملاً من آمال البشرية قد تداعى تاركاً البشرية فريسة لشريعة الغاب. وعليه فإن سعي أهل القدس إلى العدل والسلام، لهو سعي باسم البشرية جمعاء، من أجل السلام. إن صرختنا من أجل سلام القدس وعدلها لهي صرخة مدوية من أجل سلام العالم وعدله، لا على أساس أوهام التوازن العسكري والمصالح الأنانية ، بل على أساس القيم الإلهية والإنسانية التي تميز حضارة الإنسان. (19)

 

الموقف اليهودي الرسمي والشعبي من القدس:

 

لا اختلاف بين الموقف الرسمي والشعبي  في موضوع القدس، ومن الخطأ تصوير الأمر وكأنه محصور في جهات متطرفة. بل السياسة واحدة والفكرة أيضاً واحدة، إن مؤامرة السعي الحاقد لإعادة بناء الهيكل الثالث المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى المبارك أو على حسابه أمر مشترك وموقف يمثل بالحقيقة "المؤسسة الرسمية الإسرائيلية"، بالإضافة إلى الموقف الشعبي الذي تروج له الجماعات اليهودية المتطرفة، يظهر ذلك جليا في تصريحات بعض المسؤولين الرسميين، منهم على سبيل المثال لا الحصر:
موشيه كتساب رئيس الدولة الذي طالب بتقسيم المسجد الأقصى المبارك بين المسلمين واليهود على غرار ما عمل في مسجد الحرم الإبراهيمي في الخليل.
وهذا الأمر ليس جديداً بل هو أمر قديم مع بدايات السعي إلى تنفيذ المشروع الصهيوني حيث جاء على لسان بن غريون القول المشهور: (لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل) وما نشاهده اليوم يؤكد هذه الحقيقة  فالجانب "الإسرائيلي" يحاول جاهداً فرض سيادته على القدس والمسجد الأقصى بقوة السلاح، تمثل بوضع قوات من حرس الحدود داخل وخارج  المسجد الأقصى، تعمل على منع الكثير من الشباب من دخول المسجد، كما تقوم هذه القوات بمنع إدخال مواد البناء اللازمة لعملية الإصلاح والتعمير والصيانة، إضافة إلى تركيب آلات التصوير في محيط المسجد بغرض أعمال المراقبة.

 

المخطط الجديد المعد لبناء الهيكل المزعوم:

 

نشرت صحيفة هآرتس "الإسرائيلية" خبراً مفاده: "إن جمعية يهودية تدعى جمعية أمناء الهيكل أعدت مخططاً جديداً لبناء الهيكل الثالث المزعوم"، وقالت صحيفة
 هآرتس : "إنه في سنة 1987م أقام د. داموس أورقان جمعية ( بناة الهيكل ) وهي جمعية مقربة من حزب الليوكود، هذه الجمعية تعتقد أنه ليس من الواقعية في الظروف الحالية بناء الهيكل على حساب المسجد الأقصى، ولذلك قاموا بإعداد مخطط جديد لبناء الهيكل يختلف عن المخطط الذي أعدته المنظمة المدعوة (بمنظمة أمناء جبل الهيكل) والتي تؤمن بإزالة المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث فوقه".

 

وقالت صحيفة هآرتس: إن المخطط الذي تعرضه جمعية بناة الهيكل يتلخص ببناء منصة/سقف واسع يبنى على أرض ساحة البراق (فوق حارة المغاربة التي هدمتها بعد الاحتلال "الإسرائيلي" عام 1967م) يرتكز على عشرة أعمدة مرتفعة رمزاً للوصايا العشر، و فوق هذه المنصة العالية يبنى الهيكل الثالث المزعوم ، وأضافت هآرتس : ولكي يأخذ الهيكل المذكور قدسية، فإن معدي المخطط الجديد يريدون حفر نفق يمتد من وسط المنصة المذكورة إلى داخل الحرم القدسي قريباً من قبة الصخرة، وبواسطة هذا النفق تأتي القدسية من داخل الحرم إلى الهيكل المذكور – على حد زعمهم -.

 

وعلقت مؤسسة الأقصى على هذا المخطط الجديد بالقول:
إن المخطط الجديد/القديم وأمثاله إنما يؤكد للقاصي والداني أن هناك إجماعاً قومياً "إسرائيليا" حول ما يدعى (بالهيكل الثالث) مما يدل دلالة واضحة على أن المسجد الأقصى يتهدده الخطر اليومي من قبل مجموعات يهودية قد تقوم بالاعتداء عليه لتحقيق هوسهم ببناء الهيكل الثالث المزعوم الذي باتوا يظهرونه يوماً بعد يوم، في ظل دعم رسمي من المؤسسة "الإسرائيلية" مما يوجب علينا التنبه والاستيقاظ لهذه المخططات التي تهدد بشكل كبير مستقبل المسجد الأقصى المبارك.
وطالبت مؤسسة الأقصى في بيان لها إلى المؤسسات الفلسطينية والعربية والإسلامية الفاعلة والعالمة بأحوال المسجد الأقصى مطالبة بالقيام بحملات توعية إعلامية لما يحاك ضد المسجد الأقصى، وتقديم الشروح اللازمة، والتبيان بشكل واضح واجب الأمة تجاه المسجد الأقصى في ظل تصاعد الأخطار المحدقة به(20)
وتشير بعض الكتابات الصهيونية إلى أنه تجري تحضيرات لعمل زلزال اصطناعي في مكان قريب من المسجد الأقصى المبارك، إضافة إلى التقويض المستمر للأساسات من خلال الأنفاق  تحته، يتهدم المسجد الأقصى، وهنا من السهل أن يزعم "الإسرائيليون" بأن المسجد الأقصى تهدم بفعل قوى طبيعية، وأن الهيكل كان موجوداً قبل المسجد الأقصى، ويجب الآن بناء الهيكل مكانه ولا مانع لدينا من عمل مصلى صغير للمسلمين وهذا دليل على حسن نيتنا.
والملاحظ والمشاهد الآن عملية الهدم الجارية حالياً لأحد أسوار المسجد الأقصى المبارك قرب باب المغاربة.

 

القدس في خطر:

 

وبناءً على ذلك نستطيع القول : بأن القدس في خطر وأن الأقصى في خطر، وهذا شعار رفعه فضيلة الشيخ رائد صلاح (أنقذوا القدس قبل أن تضيع، وتداركوا المسجد الأقصى المبارك قبل أن نعض على أصابعنا يوم لا ينفع الندم فالقدس في خطر والأقصى في خطر)

 


واجب الأمة العربية والإسلامية نحو القدس:

 

إن القدس – كما يعلم القاصي والداني – هي محور القضية الفلسطينية  وجوهرها فهي ذات مكانة عظيمة في قلب كل مسلم وعربي، وهي رمز يعبر عن التاريخ العربي والإسلامي، ورمز يوحد الصفوف ويزكي روح التضامن الإسلامي، ويجدد عزيمة الأمة لتستعيد حقها الذي عاش وسيظل  في ضمائر أبنائها وأجيالها.
إن العمل من أجل إنقاذ القدس وتحريرها والدفاع عنها هو عمل طويل وشاق تفرضه طبيعة الصراع التاريخي والمستقبلي  بين المشروع الصهيوني والاستيطاني الخطير من جهة، والمشروع النهضوي الإسلامي من جهة أخرى. وإن أي جهد يبذل في خضم هذا الصراع سوف يصب في نجاح المشروع الإسلامي وانتصاره. كما أن مناصرة القدس أمر يحتاج إلى مزيد من الخطط والاستراتيجيات، والمشروعات التي تسهم في الحفاظ على القدس الشريف والدفاع عن المقدسات وحماية الأقصى المبارك أو العمل على إيجاد التمويل الملائم لتنفيذ تلك المشروعات وأساليب تنفيذها. (21).

 

فتاوى وآراء جامعة لعلماء المسلمين نحو القدس وفلسطين ومؤتمرات عقدت لهذا الغرض:
والجدير بالذكر بأن هناك أراء جامعة لعلماء المسلمين صدرت حول واجب العرب والمسلمين تجاه القدس وتجاه فلسطين، كما أن هناك قرارات صدرت عن مؤتمرات عقدت لهذا الغرض، منها على سبيل المثال لا الحصر:
في سنة 1966م ضمن قرارات وتوصيات المؤتمر الثالث لمجمع البحوث الإسلامية:
تنبيه المسلمين في جميع أقطار الأرض إلى أن العمل الجدي الدائم على إنقاذ فلسطين من أيدي  الصهاينة الباغين الغاصبين فرض في عنق كل مسلم ومسلمة.
في سنة 1968م ضمن قرارات وتوصيات المؤتمر الرابع لمجمع البحوث الإسلامية:
أعلن المؤتمر وجوب القتال والجهاد حيث توفرت أسبابه في العدوان "الإسرائيلي"، كما دعا إلى إمداد الفلسطينيين بكل أسباب القوة، ودعا المؤتمر أيضاً إلى إنشاء صندوق لتمويل الشعب الفلسطيني، كما دعا إلى تعبئة القوى الروحية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام لمواجهة احتمالات الموقف، وطالب المؤتمر أيضاً الحكومات الإسلامية بقطع  علاقاتها مع "إسرائيل".

 

وإتماماً للفائدة أذكر – بالنص – أهم قرارات هذا المؤتمر وتوصياته المتمثلة بالآتي:
أ – إن أسباب وجوب القتال والجهاد التي حددها القرآن الكريم قد أصبحت كلها متوفرة في العدوان "الإسرائيلي"، بما كان من اعتداء على أرض الوطن العربي والإسلامي  وانتهاك لحرمات الدين في أقدس شعائرها وأماكنها، وبما كان من إخراج المسلمين العرب من ديارهم، وبما كان من قسوة ووحشية في تقتيل المستضعفين من الشيوخ والنساء والأطفال.
لهذا كله صار الجهاد بالأموال والأنفس فرضاً عينياً في عنق كل مسلم يقوم به على قدره وسعته وطاقته مهما بعدت الديار.
ب – يدعو المؤتمر إلى دعم الكفاح الذي يخوضه أبناء الشعب الفلسطيني، وإمداده بكل أسباب القوة التي تضمن له الصمود، وتحقق له هدفه وغايته.
ج – يوصي المؤتمر بحشد كل الطاقات المادية والمعنوية للأمة العربية والإسلامية، وتدريب جميع القادرين على حمل السلاح واستعماله.
د – يدعو المؤتمر إلى إنشاء صندوق لتمويل كفاح أبناء الشعب الفلسطيني ورعاية أسر المجاهدين والشهداء، والعمل على أن يكون للصندوق فروع في كل بلد إسلامي، وتخصيص قدر من الزكوات لتمويله، فإن الإنفاق في سبيل الله من البر الذي أمر الله به ومصرف من مصارف الزكاة الشرعية التي نص القرآن الكريم عليها.
في سنة 1970م ضمن قرارات وتوصيات المؤتمر الخامس لمجمع البحوث الإسلامية:
أكد المؤتمر على أن الجهاد بالأموال والأنفس أصبح فرضاً عينياً (النفير العام) على كل قادر من المسلمين، ومن يتخلف عن حمل أعبائه فقد سلك سبيلاً غير سبيل المسلمين.
وبما أن "إسرائيل" تحشد كل طاقاتها المادية والمعنوية للحرب مدعومة من الصهيونية العالمية ودول الاستعمار، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
وبما أن الأرض المقدسة والقدس الشريف والمسجد الأقصى ملك للمسلمين كلهم يتحتم على المسلمين في كل مكان أن يبادروا إلى تحمل واجباتهم في الجهاد والعمل على إرسال المجاهدين إلى ساحات القتال.
ولكي يتم للبلاد الإسلامية تدريب المجاهدين وتسليحهم وتنظيمهم وقيادتهم، يوصي المؤتمر بتأليف منظمات للقيادات الثلاث (العسكرية والمالية والروحية) في كل بلد إسلامي.
وعليه فالدفاع عن أرض الإسراء والمعراج والسعي إلى تحريرها واجب ديني لا مفر منه لكل من يؤمن بالله واليوم الآخر، وأرضها إسلامية مباركة فتحت على يد الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – واتفق فقهاء المسلمين:
على أن الأرض المفتوحة عنوة أو صلحاً تصبح دار إسلام وتسري عليها أحكامها : من وجوب الدفاع عنها والقتال دونها، ولا تنفك عنها صفة الإسلام وإن استولى عليها أعداء ومهما طالت مدة اغتصابها.

 

فقد قال الماوردي وأبو يعلى الفراء في كتابيهما ( الأحكام السلطانية ):
(وتصير هذه – أي المفتوحة عنوة – دار إسلام سواء سكنها المسلمون أو أعيد إليها المشركون لملك المسلمين لها، ولا يجوز أن يستنزل عنها للمشركين لئلا تصير دار حرب)(22)
وقد أصدرت لجنة الإفتاء بالجامع الأزهر بالقاهرة في 18 جمادى الأولى سنة 1374هـ الموافق الأول من يناير سنة 1956م برئاسة الشيخ حسنين محمد مخلوف جاء فيها:
(يجب على المسلمين جميعاً باختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم أن يتعاونوا لرد هذه البلاد إلى أهلها، وصيانة المسجد الأقصى مهبط الوحي ومصلى الأنبياء الذي بارك الله حوله)
وفي سنة 1969م قال فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي في نهاية رسالته (بنو إسرائيل في القرآن والسنة) التي تقدم بها للحصول على درجة الدكتوراه في التفسير والحديث من جامعة الأزهر ما نصه:
(يجب أن نخوض معركة فلسطين المقبلة على أساس الجهاد الديني، وليس على أساس النعرة الوطنية وحدها، وذلك لأن فلسطين بلد إسلامي مقدس – كما قلنا سابقا– وهي ملك لجميع المسلمين، وواجب الذود عنها فرض على كل مسلم على وجه
 الأرض) (23)

 

ونستطيع تلخيص واجب الأمة العربية والإسلامية نحو القدس في الآتي:

 

1 – توضيح مكانة القدس والأقصى وما يتعرض له من مؤامرات من قبل المخطط الصهيوني بشكل خاص وما تتعرض له الأرض الفلسطينية بشكل عام.

 

2 – اعتصام العرب والمسلمين بحبل الله جميعاً وتعاونهم على البر والتقوى. وذلك تطبيقاً لقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)(24) وقوله تعالى:
(وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) (25). فعلى الجميع أن يكونوا يداً واحدة في مواجهة هذه التحديات.

 

3 – تضامن العرب من مسلمين ومسيحيين في اتخاذ موقف موحد أمام الغطرسة "الإسرائيلية"، ليس من أجل القدس وحدها فقط، بل من أجل جميع الحقوق العربية المغتصبة، والتصدي لكل الممارسات غير الشرعية التي تمارسها سلطات الاحتلال. والإصرار على عودة القدس محرراً من كل طغيان "إسرائيلي". فلا معنى للسلام بدون القدس، ولا معنى للسلام إذا بقيت الأراضي محتلة  والحقوق مغتصبة.

 

4 – الحفاظ على عدم تسرب الأرض المملوكة والأميرية لـ"إسرائيل" سواء بالبيع أو المصادرة. وتصحيح الخلل الديمغرافي لصالح السكان الأصليين، ويؤدي ذلك إلى إفشال مخططات الاحتلال في تهويد المدينة المقدسة، وتغيير واقعها الديمغرافي  ومعالمها  الحضارية والدينية.

 

5 – دعوة الدول العربية والإسلامية لوضع ميزانية موحدة وكافية – وعلى المدى الطويل – لدعم صمود  سكان القدس خاصة وترميم الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية حفاظاً عليها من العبث "الإسرائيلي"، ودعم المواطنين في الأراضي المحتلة عامة, وذلك للتشبث بالأرض وعدم بيعها.

 

6 – إلزام الجامعات والمدارس العربية والإسلامية بتدريس مقدسات بيت المقدس، وتشجيع الدراسة والبحث عن القدس، وإعداد مسابقات في هذا الشأن ورصد جوائز تشجيعية لها.

 

7 – تشكيل لجان أصدقاء القدس في جميع المؤسسات الأكاديمية والتعليمية على مستوى العالم العربي والإسلامي.

 

8 – تخصيص مساحة كافية على الفضائيات العربية والإسلامية للحديث عن أهمية القدس ومكانتها، وبجميع اللغات العالمية الحية موجهة للرأي العام العالمي للإسهام في صياغة وتشكيل وجدان وعقل العامة والخاصة.

9 – توجيه السفارات العربية والإسلامية إلى الاهتمام بقضية القدس واعتبارها أحد محاور نشاطها الدبلوماسي في الدول المضيفة لها.

 

10 – تشجيع رؤوس الأموال العربية والإسلامية على الاستثمار في مدينة القدس  والأراضي الفلسطينية.

 

11 – تفعيل التعامل مع شبكات الإنترنت  للتصدي للهجمة الصهيونية حول الحقوق العربية والإسلامية في القدس وفي فلسطين.

 

12 – تفعيل الدور الذي تقوم به المؤسسات العربية والإسلامية كالبنك الإسلامي للتنمية، و وكالة بيت مال القدس، حيث إن ما تقوم به هذه المؤسسات لا يفي إلا بجزء بسيط من احتياجات الحياة في مدينة القدس وفي الأراضي الفلسطينية، إذا ما قيس بما يقوم به الجانب الآخر وأعوانهم.

 

الموقف العربي الإسلامي الرسمي من القدس:

 

قد يسأل الكثيرون عن الموقف العربي الإسلامي الرسمي من هذه القضية؟
والجواب: إنه موقف مؤسف ومحزن ومتخاذل، لا يرقى إلى المستوى المطلوب ولا يلبي أدنى الاحتياجات التي تحتاجها قضية القدس، يتمثل في عقد المؤتمرات على أعلى المستويات، والتي في الغالب تكون قراراتها وتوصياتها في الغالب حبراً على ورق، شعارها البارز: نشجب، نستنكر، ندين، نناشد، ندعو، نتنازال، إلى غير ذلك من العبارات والتعابير المطاطة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. وباختصار نستطيع القول: إنه الصمت أو اللاموقف.
الموقف العربي الإسلامي الشعبي:
موقف الشعوب العربية والإسلامية إما الصمت المحبط، أو التنصل مما يحدث لفلسطين – كما يقول البعض-.
ويسأل سائل: لماذا لا تثور هذه الشعوب لأجل القدس ولأجل المسجد الأقصى، ولأجل فلسطين، أو على الأقل لكي تعيش بكرامة وحرية وأمان واطمئنان؟
فإذا كان الجواب : إن الشعوب لا تتظاهر ولا تخرج إلى الشوارع بسبب القمع الذي تتعرض له من الأجهزة الأمنية لنظام الحكم في هذا البلد أو ذاك.
ولكن الظاهر أن السبب في ذلك أن الكثير من هذه الشعوب لا تحمل في قلوبها ولا في صدورها إيمانا كافياً يدفعها إلى التضحية وإلى العمل الجاد المخلص. وليس معنى ذلك أن هذا القول دعوة إلى الفوضى والعربدة والخروج على القوانين والأنظمة ، لا لا .... إنما تستطيع الشعوب التعبير عن ذلك بالوسائل السلمية، وبالطرق الحضارية. والتي من شأنها أن تجبر هؤلاء الحكام على التغيير من سياساتهم، وتحقيق الكثير من تطلعات شعوبهم.
وقد يقود السؤال السابق إلى سؤال آخر: ما الوسيلة التي تجعل هذه الشعوب تحمل في صدورها وفي قلوبها اعتقادات تستحق التضحية؟
والجواب على ذلك: إن تغير القلوب قد يحدث سريعاً بقدرة الله تعالى _ إذا ما خلصت النوايا.
إن القلوب تتغير عبر الزمن، وإن تراكم الأحداث والمخازي والاضطهاد سوف يؤدي إلى تغيير في سلوك الأمة، فإن تزايد القهر والمعاناة قد يجعل  الشعوب تعتقد بأن ليس هناك ما تخسره من جانب، ويرسخ في وعيها ووجدانها أن التغيير يصبح ضرورة، وإن التغيير له ثمن، كما يقول البعض. والملاحظ هذه الأيام أن معظم هذه الشعوب تبحث عن مبرر لصمتها وسكوتها، أو عن شماعة تعلق عليها عجزها وضعفها وعدم قيامها بالدور المطلوب منها، فتارة تعزو السبب إلى قمع الحكام، وتارة إلى الفقر، وتارة إلى الاستعمار وأعوانه، وتارة إلى الشعب الفلسطيني حيث إنهم منقسمون على أنفسهم وغير متفقين فيما بينهم، والبعض يعتبر أن مسؤولية التحرير تقع على عاتقهم فقط لأنهم أصحاب القضية، إلى غير ذلك من مظاهر خداع الذات أو التهرب من المسؤولية.
 إن قادة التغيير هم العلماء المخلصون، والمثقفون المسلمون، والمؤمنون الصادقون من أبناء هذه الأمة.

 

كلمة حق حول الدور الطليعي لمؤسسة الأقصى:

 

لا بد من الإشارة والإشادة بالدور الذي قامت وتقوم به هذه المؤسسة في خدمة المقدسات الإسلامية، وفي مقدمتها : المسجد الأقصى المبارك بشكل خاص، ومدينة القدس والمقدسات الإسلامية في الداخل الفلسطيني بشكل عام.
لقد شاءت إرادة الله تعالى لهذه المؤسسة أن تكون رأس الحربة في الدفاع عن المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية في الداخل الفلسطيني، حيث أنجزت هذه المؤسسة الكثير من الأعمال المباركة منذ تأسيسها على كثير من الأصعدة، وفي مقدمتها المشاركة بأعمال إعمار المصلى المرواني بشكل خاص، وإعمار المسجد الأقصى مادياً وروحياً بشكل عام.
كما إن هذه المؤسسة – وبحق – أعادت اليقظة والاهتمام الخاص بقضية القدس والأقصى، وساهمت بصيانة الحق الديني والتاريخي والوجودي للعرب والمسلمين في هذه البلاد.
فلا يسعني بهذه المناسبة إلا أن أتوجه بجزيل الشكر والعرفان إلى السادة : رئيس وأعضاء وموظفي ومندوبي هذه المؤسسة، سائلاً المولى عز وجل أن يجعل جميع هذه الأعمال في ميزان حسناتهم، وأن يجزيهم عنا وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء.
الخاتمة:
وفي خاتمة هذا البحث المتواضع أقول:
إن مدينة القدس هي في طليعة الأماكن المقدسة لدى العرب والمسلمين، ولا توازيها في القداسة سوى مكة والمدينة، وقد عبر عن ذلك القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي في رسالة بعث بها إلى ملك إنجلترا قال فيها: "القدس لنا، وهي عندنا أعظم مما هي عندكم، فإنها مسرى نبينا ومجتمع الملائكة".
إن مدينة القدس ستبقى خالدة بذكرى الإسراء والمعراج المذكورة بالقرآن الكريم، وسيبقى عطر سيد البشرية فوّاحًا من رُباها الطيبة، وآثار معراجه إلى السماوات العلى حيث سدرة المنتهى باقية على صخرتها المشرفة، ولم تزل ذكرى اتخاذها قبلة للمسلمين في صدر الإسلام في سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم، فمكانتها عظيمة في القلوب والأرواح.
لقد برزت مكانة القدس بعد دخولها في الحكم الإسلامي على يد عمر بن الخطاب الذي دخلها في ظل فتح سِلمي آمن، يليق بمكانتها وجلالها، وبصحبته عشرات الصحابة الأجلاء. وكما قيل: لو كان شيء من الأرض يرتفع عن مكانه لارتفعت مدينة القدس على أجساد الشهداء حتى بلغت عنان السماء، ومنذ ذلك اليوم حكمها المسلمون حكمًا قائمًا على العدل والرحمة والتسامح؛ ولذا فإن السند التاريخي أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن القدس إسلامية عربية وهي أرض الإسراء والمعراج. لقد شهدت عبر عصور الإسلام الزاهرة حياة مشرقة بالحق والعدل، وتعاقبت عليها رعاية الدولة الإسلامية، واهتم المسلمون بتجديدها وتعميرها والحفاظ عليها، وبذلوا أقصى ما في وسعهم لرعاية المسجد الأقصى تعميرًا وترميمًا وإصلاحًا، ولذا فإن المسلمين جميعًا هم أصحاب الحق الشرعي فيها، ولا يملك أي إنسان حق التنازل عن هذا المكان المقدس، وستبقى هذه المدينة المقدسة مفتاح الحرب ومفتاح السلام، وعلى العقلاء من الناس أن يدركوا ذلك جيدًا.

 

جاء في الحديث الشريف عن أبي ذر (رضي الله عنه) قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أيهما أفضل: أمسجد رسول الله أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله: ((صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض، حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعًا)) قال: أو قال: ((خير من الدنيا وما فيها)). (26)

 

وها نحن نعيش في زمن نجد فيه صدق ما أخبر به النبي (صلى الله عليه وسلم) مما ستكون عليه مدينة القدس، حيث يسعى المحتلون بكل الوسائل والطرق لتفريغها من أهلها الشرعيين، والتضييق عليهم بأشد أنواع الإجراءات القمعية والتعسفية، حتى لا يستطيع أحد الوصول إليها إلا بشق الأنفس. وما محاولة إغلاق الطرق الموصلة إلى باب المغاربة إلا عملية لما يخططون له ويسعون إلى تحقيقه.

 

إن الناظر في حال الأمة العربية والإسلامية يُصاب بالذهول والدهشة، ويقف حائرًا أمام النكبات التي تنزل بها وتتوالى عليها بين الحين والآخر. إنها في سبات عميق وفي غفلة عما يحاك ضدها على جميع المستويات، تتداعى الأمم عليها كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، بالرغم من كثرة العدد ووفرة العدة، فالأعداء يحتلون أرضها ويستعمرونها وينهبون خيراتها وثرواتها ويتحكمون في نفطها وبترولها.

 

كثير من أبنائها يذبحون ويقتلون على مرأى ومسمع من دول العالم الكبرى، بل هناك شعوب منها تتعرض للإبادة والتطهير العرقي كما هو حاصل في فلسطين والعراق وغيرهما، وسط صمت دولي رهيب، وصمت عربي إسلامي مريب، ودون مشاهدة ردة فعل غاضبة تجاه ما يحصل. إن المجازر التي شاهدناها ونشاهدها في كثير من المدن  العربية والإسلامية، وهدم البيوت وتشريد أهلها منها وتركهم في العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، كل ذلك دليل على أن هؤلاء لا يريدون لهذه الأمة ولا لهذا الشعب خيرًا، فاللهم لا حول ولا قوة إلا بك.

 

لا بد من الوقوف طويلا أمام ما يجري من أحداث تعصف بهذه الأمة من مشرقها إلى مغربها، ومن شمالها إلى جنوبها، وبخاصة ما يجري على هذه الأرض المباركة، فالجراح عميقة، والأحداث تعلو على التصديق، والمآسي تطغي على التفكير السليم بضخامتها وشراستها. وهذه الأحداث بحاجة إلى تأمل لاستخلاص العبر والعظات حتى لا تتكرر المآسي.

 

ولا بد للمسلمين بصورة عامة وللفلسطينيين بصورة خاصة من فهم لأحداث التاريخ والاعتبار بما مضى، فالأرض تتعرض للنهب والسلب والتقسيم، والإنسان يتعرض للقتل وللأسر، والمقدسات يداهمها الخطر، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك الذي بنته الأنبياء، وانتسب إليه كثير من العلماء، وسكنه وشد إليه الرحال كثير من الأولياء، وسقطت على أرضه قوافل الشهداء، وهو عش العلماء وعقر دار الإسلام في نهاية الزمان، وأهله مرابطون إلى يوم القيامة، وعلى أرضه المباركة المقدسة تعيش الطائفة الظاهرة المنصورة، الركعة فيه بخمسمائة ركعة، والتفريط فيه تفريط في الإسلام، وكل مساس فيه مساس بمشاعر المسلمين كافة؛ لأنه شريان قلوبهم وسر وجودهم على هذه الأرض المباركة. ومن واجب الجيل المعاصر أن يحذو حذو السابقين في الحفاظ على مدينة القدس مع ما فيها من مقدسات، وعندما تصبح القدس متعمقة الجذور في النفوس والقلوب ستشرق شمسها وستتبدد ظلمة ليلها، وستفتح ذراعيها وقلبها لاستقبال من يكسر قيدها والأغلال التي تكبلها والجدران التي تحيط بها، وما ذلك على الله بعزيز. ولله در القائل:

 

يا قدس مهما الليل طال        فلن يدوم الاحتلال
الكفر ولى ولـن يعـود       ولست في هذا مغال
الفجـر آت لا مَحالـة        والظلام إلى الزوال
لاحت تباشير الصبـاح        وجاء دورك يا بلال

 

وعلى ضوء ما يجري على الساحة العربية والإسلامية والفلسطينية فإن المطلوب من الشعوب العربية والإسلامية التضامن ورص الصفوف، ليتحقق الأمل في توحد الكلمة ونبذ الخلافات. إذا ما تحققت الوحدة فإنها كفيلة بأن تصنع من هذه الشعوب كتلة قوية فاعلة ومؤثرة على الساحة الدولية، بما تمتلكه من عقيدة ومن موارد وطاقات، ولا يمكن لهذا الإنجاز أن يتحقق بالأماني والأحلام أو برفع الشعارات البراقة والمزايدات الرخيصة والتنازلات المهينة والتخلي عن الثوابت الإسلامية، إنما يتحقق بإتباع المنهج الرباني والدستور الخالد الذي أنزله الله تعالى لهداية البشرية وسعادتها.

 

الهوامش:

 

 

1 – عارف العارف . المفصل في تاريخ القدس الجزء الأول ص: 1 – 4 بتصرف. ط: الرابعة 1996. مطبعة المعرف.
2 – المرجع السابق ص: 11.
3 – سورة الإسراء آية : 1.
4 – سورة المائدة آية : 21.
5 – سورة الأعراف آية : 137.
6 – سورة الأنبياء آية : 71.
7 – سورة الأنبياء آية : 105.
8 – سورة المؤمنون آية : 50.
9 – سورة ق آية : 40.
10 – سورة الحديد آية : 13.
11 – سورة البقرة آية : 58.
12 – سورة التين آية : 1.
13 -  رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي.
14 – رواه أبو داود وابن ماجة.
15 – رواه ابن خزيمة من حديث أبي الدرداء.
16 -  متفق عليه.
17 – الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل. لمجير الدين الحنبلي. فضائل زيارة بيت المقدس . تحقيق: يوسف محمود يوسف.
18 – سورة المائدة آية : 82.
19 – من محاضرة بعنوان (القدس محور السلام) لسماحة الشيخ أمين كفتارو. في الندوة العالمية المنعقدة في جامعة الأزهر عام 1997. بتصرف.
20 – مؤسسة الأقصى: www Islamic–aqsa.com.
21 – الأستاذ كامل الشريف. أمين عام المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة. من كلمة له في مؤتمر حاشد بعنوان: (الطريق إلى إنقاذ القدس). الإنترنت.
22 – الأحكام السلطانية والولايات الدينية. تأليف أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي (450)ه ط: الأول. شركة ومطبعة الحلبي:ص:137
23 – www alaqsa-onlin.com/articles.
24 – سورة آل عمران آية : 103.
25 – سورة المائدة آية : 2.
26 – أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
ملحوظة: الأحاديث الشريفة الغير مخرجة منقولة من كتاب الأنس الجليل، وضع عقبها علامة(*)

                                                                                              

* شكرٌ خاص للقائمين على المؤتمر الدوليّ لنصرة القدس الأول الذي انعقد في كلّ من القدس المحتلة وغزة وبيروت في الفترة 6-7 حزيران 2007م حيث قًدّم هذا البحث في الجلسة الرابعة من المؤتمر والذي تناول المحور الديني لقضيّة القدس.


رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »