المخططات الاستيطانية في القدس- السياسات والآثار

تاريخ الإضافة السبت 23 شباط 2008 - 9:39 ص    عدد الزيارات 18392    التعليقات 0

        

مقدمة

تهويد القدس أولاً وآخراً، هو الحلم الصهيوني الذي لا تراجع عنه، مهما تكن الأسباب والظروف، في القدس بدأ المشروع الاستيطاني اليهودي، وفيها يستكمل حلقاته الأهم، والقدس كما يقولون، قلب الصهيونية، أو هي جوهر المشروع الصهيوني ومآله الأخير، الديني والسياسي، غير أن الادعاء بحقوق يهودية تاريخية في القدس كما في فلسطين، كانت تعوزه الوقائع والأرقام، والحديث عن يهودية القدس لا يستقيم من دون وجود يهودي كثيف ومستقر، من أجل ذلك، كان التنافس المحموم بين زعماء الصهيونية، لاغتنام كل فرصة ممكنة، للسيطرة على كل دونم متاح من الأرض، بجميع الوسائل، كرهاً أو طوعاً، بالخداع والحيلة أو بالتفاوض، لا فرق ما دامت النتيجة ستكون واحدة.

 

الجذور التاريخية

أقيمت النواة الأولى لمدينة القدس على تل "أوفل" المطل على قرية سلوان، واختير هذا الموقع لأسباب أمنية، وساعدت عين سلوان في توفير المياه للسكان، وهجرت هذه النواة لمكان آخر هو جبل "بزيتا" ومرتفع موريا الذي أقيمت عليه قبة الصخرة المشرفة، ونتيجة نشوء الضواحي الاستيطانية في المنطقة العربية، ونتيجة زعم صهيوني فحواه أن القدس كانت دائماً ذات أغلبية يهودية، علماً بأن مساحة الحي اليهودي في البلدة القديمة في القدس لم تتجاوز خمسة دونمات، وعدد سكانه لم يتجاوز التسعين أسرة فإن حكومة الانتداب البريطاني وقادة الحركة الصهيونية اتّفقوا على رسم حدود البلدية بطريقة ترتبط بالوجود اليهودي.أولى المستوطنات الصهيونيّة كانت على أرض قرية سلوان

 

حيث امتدّ الخط من الجهة الغربية عدة كيلومترات لتدخل ضمنه أحياء غفعات شاؤول، وشخنات مونتفيوري، وبيت هكيرم، وشخنات هبوعليم، وبيت فجان، التي تبعد عن أسوار المدينة سبعة كيلو مترات، بينما اقتصر الامتداد من الجهتين الجنوبية والشرقية على بضع مئات من الأمتار، بحيث وقفت حدود البلدية أمام مداخل القرى العربية المجاورة للمدينة، ومنها قرى عربية كبيرة بقيت خارج الحدود، مثل الطور، وشعفاط ولفتا، ودير ياسين، وسلوان، والعيسيوية، وعين كارم، والمالحة، وبيت صفافا، على الرغم من أن هذه القرى تتاخم المدينة حتى تكاد كل واحدة منها تكون ضاحية من ضواحيها.

 

وقد مضى أكثر من قرن كامل منذ أن انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا، والواقع أن الاستيطان في القدس قد انطلق قبل عام 1897، بستين عاماً، وان كان بخطوات، قليلة وخجولة، على يد ممولين يهود متحمسين أمثال مونتيفيوري روتشيلد.

 

ففي عام 1827، بدأت رحلات عملية لإقامة أحياء يهودية في القدس، وفي الفترة الممتدة بين عامي 1842 و1897، أُقيمت أحياء وكُنُس عدة، وبُنيت 27 مستوطنة في منطقة القدس وما حولها، إحداهن أنشئت بطريق الخداع عام 1859، إذ قيل وقتها إن المنشآت لبناء مستشفى، لكن الحقيقة أنها كانت مساكن شعبية لليهود.

 

وتم بناء أحياء يهودية على امتداد الطرق المؤدية لبوابات المدينة الغربية والشمالية والجنوبية، وجرى ذلك تحايلاً على القانون وبمساعدة من القنصل البريطاني في القدس، فلم تدخل القوات البريطانية مدينة القدس في 11 ديسمبر 1917، إلا وكانت المرحلة الأولى قد نُفِّذت، لمحاصرة القدس وتحقيق الأكثرية اليهودية فيها.

 

وما بين عامي 1897 و1930، أنشئت 24 مستوطنة يهودية أخرى، داخل القدس وفي ضواحيها، ليصل العدد 51 مستوطنة، وتحولت المدينة لنقطة ارتكاز أساسي، لتوسيع الاستيطان، وهكذا أقامت جماعة يهودية من المقيمين في القدس، أول مستوطنة يهودية على ارض فلسطين، وكانت تسمى "بتاح تكفا".

 

ثم جرى ترسيم الحدود البلدية سنة 1921، حيث ضمت حدود البلدة القديمة وقطاعاً عرضياً بعرض 400 متر، على طول الجانب الشرقي لسور المدينة، بالإضافة لأحياء باب الساهرة ووادي الجوز والشيخ جراح من الناحية الشمالية.

 

ومن الناحية الجنوبية، انتهى خط الحدود إلى سور المدينة فقط، أما الناحية الغربية، التي تعادل مساحتها أضعاف القسم الشرقي، فقد شملتها الحدود لاحتوائها على تجمعات يهودية كبيرة، إضافة لبعض التجمعات العربية، كالقطمون، البقعة الفوقا والتحتا، الطالبية، الوعرية، الشيخ بدر، ومأمن الله.

 

أما المخطط الثاني لحدود البلدية، فقد وضع سنة 1946، وجرى بموجبه توسيع منطقة خدماتها، غير أن التوسيع تركز أيضاً على القسم الغربي ليتسنى استيعاب وضم الأحياء اليهودية الجديدة التي بقيت خارج منطقة التنظيم العام سنة 1931، وفي الجزء الشرقي أضيفت قرية سلوان من الناحية الجنوبية، وادي الجوز، وبلغت مساحة المدينة وفق هذا المخطط 20,199 دونماً توزعت ملكيتها على النحو التالي:

  

أملاك إسلامية 40% أملاك يهودية 26,13% أملاك مسيحية 13.86% أملاك حكومية وبلدية 2,9% طرق وسكك حديدية 17,12% المجموع 100%

 

ما بعد قيام الدولة العبرية

ازدادت المساحة المبنية من 4130 دونماً سنة 1918 إلى 7230 دونماً سنة 1948، وجاء قرار التقسيم والتدويل 1947-1949 لأن فكرة تقسيم القدس وتدويلها لم تكن جديدة، فقد سبق أن طرحتها اللجنة الملكية بشان فلسطين "لجنة بيل" حين اقترحت إبقاء القدس وبيت لحم، إضافة إلى اللد والرملة ويافا، خارج حدود الدولتين، اليهودية والعربية، مع وجود معابر حرة وآمنة.

 

وجاء قرار التقسيم ليوصي مرة أخرى بتدويل القدس، ونص القرار على أن القدس ستكون "كياناً منفصلاً" "Corpus separatism" يقع بين الدولتين العربية واليهودية، ويخضع لنظام دولي خاص، وتتولى الأمم المتحدة إدارته بواسطة مجلس وصاية يقام لهذا الغرض، كما عين حدود القدس الخاضعة للتدويل بحيث شملت، إضافة للمدينة، أبو ديس شرقاً، وبيت لحم جنوباً، وعين كارم وموتسا وقالونيا غرباً، وشفعاط شمالاً.

 

ثم قررت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين بقرارها المشئوم رقم 181، مع الإيحاء بتدويل القدس وإدارتها من قبل المنظمة الدولية، وحدَّد القرار المنوه عنه حدود القدس الخاضعة للتدويل بحيث شملت عين كارم وموتسافي في الغرب، وشعفاط في الشمال، وأبو ديس في الشرق، وبيت لحم في الجنوب.

 

واندلعت حرب 1948، ليسيطر اليهود على الجزء الغربي من المدينة، وهو ما تم تكريسه في اتفاق الهدنة مع الأردن عام 1949، في ذلك الوقت، ضُمت للقدس القرى العربية المحاذية مثل بيت صفافا، لفتا، عين كارم، والمالحة، ودير ياسين، وفي عام 1952، صودق على مخطط بلدي جديد، يضم للقدس ضواحي سلوان ورأس العمود والصوانة وأرض السمار، والجزء الجنوبي من شعفاط، وأصبحت مساحة البلدية 6.5 كيلومتر مربع.

 

لكن حرب 1948 وتصاعد المعارك الحربية عقب التقسيم أديا لتقسيم المدينة قسمين، ففي 30 نوفمبر 1948، وقعت السلطات "الإسرائيلية" والأردنية اتفاقاً لوقف إطلاق النار، بعد أن تمّ تعيين خط تقسيم القدس بين القسمين الشرقي والغربي للمدينة في 22 يوليو 1948.

 

ومع نهاية سنة  1948 كانت القدس قد قسمت، وتوزعت حدودها نتيجة خط وقف النار إلى:

 

مناطق فلسطينية تحت السيطرة الأردنية 2,220 دونم 11,48% مناطق فلسطينية محتلة (الغربية) 16,261 دونم 84.21% مناطق حرام ومناطق للأمم المتحدة 850 دونم 4,39% المجموع 19,331 دونم 100%

 

وهكذا وبعد اتفاق الهدنة بين الطرفين الأردني و"الإسرائيلي" في 4 مارس 1949، تأكدت حقيقة اقتسام القدس بينهما، انسجاماً مع الموقف السياسي لكل منهما، المعارض لتدويل المدينة، وفي 13 يوليو 1951، أجريت أول انتخابات لبلدية القدس العربية، وقد أولت البلدية تعيين حدودها البلدية وتوسيعها اهتماماً خاصاً، لاستيعاب الزيادة السكانية ومواجهة استفحال الضائقة السكنية.

 

وصودق على أول مخطط يبين حدود بلدية القدس الشرقية في 1 أبريل 1952، وجرى ضم المناطق التالية لمناطق صلاحية البلدية: قرية سلوان، ورأس العمود، والصوانة، وأرض السمار، والجزء الجنوبي من قرية شعفاط، وأصبحت المساحة الواقعة ضمن صلاحية البلدية 6,5كم2 بينما لم تزد مساحة الجزء المبني منها على 3كم2.

 

وفي 12 فبراير 1957، قرر مجلس البلدية توسيع حدود البلدية التي كانت ضيقة نتيجة القيود التي وضعها "كاندل" لمنع البناء على سفوح جبل الزيتون والسفوح الغربية والجنوبية لجبل المشارف، جبل سكوبس، إضافة لوجود مساحات كبيرة تابعة للأديرة والكنائس، ووجود مشكلات أخرى، مثل كون أغلبية الأرض مشاعاً ولم تجر في شأنها أية تسوية، كالشيخ جراح وشعفاط.

 

وهكذا، ناقش مجلس بلدية القدس في يونيو 1958 مشروع توسيع حدود البلدية شمالاً، بحيث تشمل منطقة عرضها 500 متر من كلا جانبي الشارع الرئيسي المؤدي إلى رام الله وصولاً لمطار قلنديا، واستمرت مناقشة موضوع توسيع حدود البلدية، بما في ذلك وضع مخطط هيكلي رئيسي للبلدية، حتى سنة 1959، دون نتيجة، وفي سبتمبر 1959، أعلن تحويل بلدية إلى أمانة القدس، لكن هذا التغيير في الاسم لم يتبعه تغيير في حجم الميزانيات أو المساعدات.

 

وفي سنة 1964، بعد انتخابات سنة 1963، كان هناك توصية بتوسيع حدود بلدية القدس لتصبح مساحتها 75 كم2، لكن نشوب حرب 1967 أوقف المشروع، وبقيت حدود البلدية على ما كانت عليه في الخمسينيات، أما القدس الغربية فقد توسّعت باتجاه الغرب والجنوب الغربي، وضمّت إليها أحياء جديدة منها: كريات يوفال، وكريات مناحم، وعين غانيم، وقرى عين كارم، وبيت صفافا، ودير ياسين، ولفتا، والمالحة، لتبلغ مساحتها 38% كلم مربع، وقد شرعت بلدية القدس الغربية في إعداد مخطط هيكلي للمدينة سنة 1964، ثم أعيد تصميم المخطط سنة 1968.

 

حرب 1967 وتوسيع الحدود

اندلعت حرب 1967، فاحتلت "إسرائيل" شرقي القدس، وبدأت خطوات تهويد المدينة، واتفقت الحكومات المتعاقبة، سواء حكومات العمل أو الليكود، على هذه السياسة، ووضعت البرامج الإستراتيجية والتكتيكية لبلوغ هذا الهدف، فبعد أن أعلن توسيع حدود بلدية القدس وتوحيدها في 28 يونيو 1967، وطبقاً للسياسة "الإسرائيلية" الهادفة للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أقل عدد ممكن من السكان العرب، رسم "رحبعام زئيفي" حدود البلدية لتضم أراضي 28 من القرى والمدن  العربية، وتخرج جميع التجمعات السكانية العربية.

 

وهكذا أتت حرب الأيام الستة عام 1967، لتسقط فلسطين كلها بيد اليهود، وقد جمع الجنرال الصهيوني "موشيه دايان" بعض ضباطه وعدداً من المهندسين، وأعطاهم التعليمات الفورية بإيجاد واقع جديد في القدس.

 

وبالفعل، وفي غضون أيام قليلة بعد الاحتلال، هُدمت حارة المغاربة بكاملها، بحجة عدم صلاحيتها للسكن، وفي أقل من ثلاث أرباع الساعة، طُرد ألف مواطن عربي من المنازل، رغم احتجاجات دائرة الوقف الإسلامي، وأنشئت ساحة حائط المبكى وتغير الاسم القديم حائط البراق، وكان الهدف المباشر، حسب المعلومات الرسمية، تحقيق التواصل بين نصفي المدينة في أسرع وقت ممكن قبل أن يتم بذل أي جهد دولي هادف لإعادة تقسيم المدينة، ومن أجل ذلك صودرت مساحة 17.700 دونم من الأراضي!

 

 

 

نتيجة لذلك، أخذت هذه الحدود وضعاً غربياً، فمرة مع خطوط التسوية الطبوغرافية، ومرة أخرى مع الشوارع، وهكذا بدأت حقبة أخرى من رسم حدود البلدية، لتزداد مساحة بلدية القدس من 6,5 كلم2 إلى 70,5 كلم2، وتصبح مساحتها مجتمعة، الشرقية والغربية 108,5 كلم2، ثم وسعت مرة أخرى سنة 1990 باتجاه الغرب لتصبح مساحتها حالياً 123 كلم2.

 

ومنذ الساعات الأولى للاحتلال، بدأت السياسة والجرافات رسم المعالم لتهويد القدس من أجل فرض الأمر الواقع، وإيجاد أوضاع جيو-سياسية يصعب على السياسي أو الجغرافي إعادة تقسيمها مرة أخرى، وشرع في وضع أساسات الأحياء اليهودية في القدس الشرقية لتقام عليها سلسلة من المستوطنات تحيط بالقدس من جميع الجهات، وإسكان مستوطنين فيها لإقامة واقع جغرافي وديمغرافي، وإحداث خلخلة سكانية في القدس العربية.

 

وبعد أن كان السكان الفلسطينيون يشكلون أغلبية في سنة 1967، أصبحوا أقلية سنة 1995، وبعد أن كانوا يسيطرون على 100% من الأراضي، أصبحوا بعد عمليات المصادرة، وإقامة المشاريع الاستيطانية، وفتح الطرق، والبناء ضمن الأحياء العربية، يسيطرون على 21% من الأراضي فقط.

 

ثم أتت مرحلة أخرى من مراحل التهويد ورسم الحدود، وهي رسم ما يسمى حدود القدس الكبرى "المتروبوليتان"، لتشمل أراضي تبلغ مساحتها 840 كلم2، أو ما يعادل 15% من مساحة الضفة الغربية، ولتبدأ حلقة أخرى من إقامة المستوطنات خارج حدود البلدية، لكن هدفها هو التواصل الإقليمي والجغرافي بين المستوطنات الواقعة في الضفة الغربية وخارج حدود البلدية، بالإضافة لإقامة شبكة من الطرق تصل بين هذه المستوطنات.

 

خريطة بالقدس الكبرى حسب طموحات الصهاينة

 

الوقائع الميدانية

في الواقع الحالي، تشكل مستوطنات الضفة الغربية ما نسبته 91 % من مجموع المستوطنات المقامة فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وما نسبته 86,92 % من مساحة المنطقة العمرانية للمستوطنات، إذا ما استثنينا المستعمرات المقامة داخل وعلى محيط مدينة القدس، حيث تضم محافظة القدس أكبر عدد من المستوطنات وعددها 84 مستوطنة، كما أنها تضم المساحة الكبرى من حيث الأراضي الاستيطانية والبالغة 45615 دونماً، أي ما نسبته 14,56 % من مساحة المنطقة العمرانية للمستوطنات في الضفة الغربية.

 

ويلي محافظة القدس في ذلك محافظة نابلس التي بلغت مساحة المنطقة العمرانية للمستوطنات فيها 20638 دونماً، أي ما نسبته 71,27 % من إجمالي مساحتها في الضفة الغربية، ثم يلي ذلك محافظة الخليل، أما بالنسبة لمساحة المستوطنات بالنسبة لمساحة اللواء «المحافظة» فهي أعلى ما تكون في لواء القدس بنسبة 76,5%، ثم رام لله بنسبة 89,1 %، ثم نابلس بنسبة 6,1%، ثم بيت لحم بنسبة 4,1%.

 

وتبلغ مجموع مساحة المستوطنات في نابلس أعلى من غيرها، حيث تبلغ 66,31 % من مجموع مساحة المنطقة العمرانية للمستوطنات في الضفة الغربية، ويعود ذلك لكبر مساحة اللواء أولاً، ثم لاستهداف أراضيه في المناطق الشرقية (الأغوار) الغنية بالمياه والأراضي الزراعية.

 

استمرار البناء في كبرى التجمّعات الاستيطانيّة في القدس- "معاليه قدوميم"وفي حين تضم القدس أكبر عدد من المستوطنات، وعددها 84 مستوطنة، فإنها تضمّ المساحة الكبرى من حيث الأراضي الاستيطانية والبالغة 45615 دونماً، أي ما نسبته 56,14% من مساحة المنطقة العمرانية للمستوطنات في الضفة الغربية وفق ما تم ذكره في فقرة سابقة، وتكون نسبة مساحة المستوطنات بالنسبة لمساحة المحافظة 76,5% في القدس، حيث أعلى ما يمكن قياساً للمدن الباقية في الضفة الغربية.

 

كما تضم القدس عدداً كبيراً من مستوطنات الفئة الأولى التي تزيد مساحتها على أكثر من 1500 دونم، كمستوطنات جيلو، عوفر ومعاليه أدوميم، إضافة لمستوطنة جبل أبو غنيم التي قاربت على وشك الانتهاء.

 

من جانب آخر، يمكن تلخيص وضع مدينة القدس الكبرى (الشرقية + الغربية) التي تقارب مساحتها ربع مساحة الضفة الغربية، وتحديد الخارطة السكانية فيها وفق التالي:

- يعيش في إطار القدس الكبرى 1,125 مليون نسمة، 46% يهود، و54% عرب فلسطينيين.
- في حدود القدس الغربية المحتلة عام 1948 غالبية يهودية واضحة تبلغ 90%، غير أنه يوجد في مناطق الضفة الغربية الواقعة في إطار القدس الكبرى وضواحيها غالبية عربية نسبتها 85%، حسب التقديرات "الإسرائيلية" وفق تقارير "معهد القدس لأبحاث إسرائيل"،
- سيصل عدد سكان القدس الكبرى عام 2010 إلى حوالي 1,8 مليون نسمة، منهم 870 ألف يهودي، ما نسبته 48%، وما مجموعه 930 ألف عربي.

 

الواقع الديموغرافي

تشكل زيادة عدد السكان اليهود داخل القدس وحولها جزءاً أساسياً من الإستراتيجية "الإسرائيلية"، لضمان سيادتها المستمرة، وقد وزع السكان اليهود في كل مكان من القدس الشرقية، التي ضمت "لإسرائيل" من خلال بناء أحياء جديدة متقاربة ذات كثافة سكانية عالية، وتركز معظم هذه الزيادة في عدد السكان اليهود في هذه المستوطنات، وكانت نتيجة ذلك أن حققت "إسرائيل" توازناً ديمغرافياً مع الفلسطينيين في القدس الشرقية، 165 ألف يهودي في مقابل 170 ألف فلسطيني، وبلغ عدد اليهود في القدس، الشرقية والغربية، نحو 413,7 ألف نسمة، أو ما يعادل 70,9%.

 

وفيما عدد اليهود في القدس لا يتجاوز 3 آلاف نسمة عام 1880، أمسى عام 1918، 10 آلاف نسمة، وتقول معلومات "إسرائيلية" رسمية، أن عدد اليهود لدى نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، كان 35 ألف نسمة في فلسطين، بالمقارنة مع خمسة آلاف يهودي فقط في أوائل القرن السادس عشر.

 

وعندما يتم إشغال آلاف المنازل التي يجري التخطيط لها، والتي هي في طور البناء في المستوطنات، فإن عدد السكان "الإسرائيليين" في القدس الشرقية سيفوق عدد الفلسطينيين ليصل إلى نسبة 3:1، ولتصل نسبة الفلسطينيين إلى 22% من المجموع العام، تبلغ نسبتهم اليوم 29,1% من المجموع العام لسكان القدس.

 

الصهاينة يخنقون البلدة القديمة بالإنشاءات الاستيطانيّة

 

وفي سنة 1993 كان عدد العائلات في القدس 144,300 عائلة، منها 116,600 عائلة يهودية، 28,800 عائلة عربية، ويبلغ متوسط أفراد العائلة العربية 5,41 أفراد مقابل 3,53 أفراد للعائلة اليهودية، وهكذا، ففي حين ارتفعت نسبة الفلسطينيين إلى المجموع العام للسكان داخل حدود البلدية للقدس الغربية والشرقية، من 25,8 سنة 1967 إلى 29,1% سنة 1995، فقد انخفضت نسبة الوحدات السكنية المبنية لهم.

 

مصادرة الأراضي

تحتاج المستوطنات والشوارع التي تخدم الزيادة الهائلة في عدد المستوطنين إلى مساحات من الأراضي، ونتيجة ذلك يجري بصورة مبرمجة تقليص المساحة التي يعيش الفلسطينيون فيها، من خلال إصدار قوانين التخطيط وفرض القيود على رخص البناء، ومصادرة الأراضي.

 

ففي المناطق العربية يمنع تشييد مبنى يتعدى عدد طبقاته ثلاث كحد أقصى، في حين أن عدد طبقات المباني في المناطق اليهودية يصل إلى ثماني طبقات، لذلك، ونتيجة الزيادة السكانية الفلسطينية، يجبر الفلسطينيون على مغادرة الأحياء العربية المركزية والتوجه إلى أحياء خارج حدود بلدية القدس، أو إلى الضفة الغربية حيث قوانين التخطيط والبناء أقل صرامة، وأسعار الأراضي رخيصة، مقارنة بما هو موجود ضمن حدود بلدية القدس.

 

وفي مقابل ذلك يضمن البناء السريع للمستوطنات من خلال الحوافز الحكومية للمتعهدين الخاصين، ففي الوقت الذي تقام آلاف الوحدات السكنية اليهودية تتقلص المناطق العربية، وبينما تشق الشوارع الإسرائيلية الجديدة لربط المستوطنات بعضها ببعض، تقسم هذه الشوارع المناطق والقرى العربية وتعزلها بعضها عن بعض.

 

ومع استقرار سلطة الانتداب البريطانية في فلسطين، تلقت الوكالة اليهودية 117 ألف دونم، اقتطعت من الأراضي الأميرية التابعة لقضاء القدس، ما نسبته 7% من مساحة المدينة، والأراضي الأميرية هي العقارات التابعة لملك الدولة.

 

وكان الجنرال اللنبي بعد أيام من دخوله القدس، كلف أحد المهندسين البريطانيين بوضع خطة هيكلية لمدينة القدس، فوضع لها تصميماً يقسمها لأربع مناطق هي:

أ‌- البلدة القديمة وأسوارها.

ب‌- المنطقة المحيطة بالبلدة القديمة.

ت‌- القدس الشرقية.

ث‌- والقدس الغربية.

 

وضمت المستوطنات اليهودية المحيطة بالقدس لحدود البلدية المقترحة للمدينة، وهكذا امتدّ خط حدود المدينة من الجهة الغربية عدة كيلومترات، بينما اقتصر الامتداد من الجهتين الجنوبية والشرقية على بضع مئات من الأمتار، وتوقفت الحدود أمام مداخل القرى العربية المجاورة للمدينة، ومنها قرى عربية كبيرة، مثل الطور وشعفاط ولفتا، ودير ياسين، وسلوان والعيسوية وعين كارم والمالحة وبيت صفافا، مع أن هذه القرى تقع على تخوم المدينة، حتى تكاد تكون ضواحي لها.

 

وكانت إعادة النظر بالحدود البلدية، عام 1921، وأعيد النظر فيها مرة أخرى عام 1946، عندما وضعت السلطات البريطانية مخططاً هيكلياً جديداً للمدينة يوسِّع الجزء الغربي من القدس، استيعاباً للأحياء اليهودية الجديدة ضمن الحدود البلدية، فشهدت القدس بعد ذلك نشاطاً استيطانياً مكثفاً، وأثناء توسعة حدود المدينة، تدفقت الأموال لتجعل من القدس مركزاً سياسياً وإداريا وتعليمياً، فأصبحت المدينة مقراً للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية، والوكالة اليهودية، والصندوق القومي اليهودي.

 

وقد دُشنت الجامعة العبرية 1925، وافتتح مستشفى هداسا الجامعي 1939، وأقامت الحركة الصهيونية عدداً من المؤسسات على هضبة المشارف، شمال شرق المدينة القديمة، مما جعلها شبه محاصرة، وبالتوسعة البلدية الثانية، بلغت مساحة المدينة 19331 دونماً، منها 868 دونماً هي مساحة المدينة القديمة، و18463 دونماً خارج الأسوار، وتوسعت المساحة المبنية في المدينة من 4130 دونماً سنة 1918، إلى 7230 دونماً سنة 1948.

 

وقد تم مصادرة 14 كلم2 من مساحة القدس الموسعة، أي ما يساوي 34% من مساحتها البالغة 70.5 كلم2، وخلال فترة 1967-1995 تم بناء 76.151 وحدة سكنية، منها 64,867 وحدة سكنية داخل حدود البلدية، أقامتها الحكومة وباعتها "للإسرائيليين"، وهو ما يعادل 88% من مجموع الوحدات السكنية التي بنيت.

 

وعلى الجانب الفلسطيني، فتم خلال الفترة نفسها بناء 8890 وحدة سكنية، ما يعادل 12% من مجموع الوحدات السكنية التي أقيمت في معظمها بمبادرات خاصة، شخصية لا حكومية، أما الوحدات السكنية التي أقيمت على الأراضي المصادرة من أصحابها العرب في القدس الشرقية، فبلغ عددها 38.534 وحدة سكنية، ما يعادل 59.4% من الوحدات السكنية التي بنيت "للإسرائيليين" داخل حدود القدس، الشرقية والغربية.

 

ما بعد انطلاق التسوية

وفي الفترة 1990-1993، تم بناء 9070 وحدة سكنية في القدس منها 463 وحدة سكنية للعرب بمبادرة خاصة، تشكل 5.1% من مجمل عدد الوحدات السكنية، وفي سنة 1993، تم الانتهاء من بناء 2720 وحدة سكنية، منها 103 وحدات سكنية للعرب، تشكل 3.8% من مجموع عدد الوحدات السكنية التي بنيت في تلك السنة.

 

وفي سنة 1991، شكلت المنطقة التي بنيت فيها وحدات سكنية للعرب 8.5% من مجمل المنطقة، التي بنيت ضمن حدود بلدية القدس، وفي عام 1993 بلغت 9.3%، وبمقابلة حجم البناء سنة 1967 بحجمه سنة 1995 في القدس الشرقية فقط.طمس الهويّة الإسلاميّة والعربيّة للمدينة هدف صهيوني- شارع رتشافيا الاستيطانيّ

 

وهكذا، فإن خريطة الحكومات "الإسرائيلية" للاستيطان في منطقة القدس الكبرى تشمل: أفرات وغوش عتيسون، ومعاليه أدوميم، وغفعات زئيف، ويجري البناء فيها بطاقة كاملة، وقد أشار الباحثون الجغرافيون منذ أعوام طويلة إلى الصلة الوثيقة بين حدود بلدية القدس والقدس الكبرى.

 

وكان الهدف الأبعد، تهويد القدس وترسيخ وضعها كعاصمة أبدية للكيان الصهيوني، لذلك اتخذت الحكومات إجراءات عدة لتكون قيد التنفيذ:

أ- فتح الطريق الموصل لحائط البراق.
ب- بناء الحي اليهودي في المدينة القديمة.
ج- تنشيط الحياة في جبل المكبر، حيث توجد مؤسسات حيوية، كمستشفى هداسا والجامعة العبرية.
د- ربط جبل المكبر بالقدس بواسطة مبانٍ سكنية.
هـ- بناء سور آخر حول القدس كجزء من عمل دفاعي ضد أي عمل عسكري عربي.
و- توطين 7 آلاف يهودي كدفعة أولى في المنشآت الجديدة.

 

وفي عام 1968، كانت الحكومة الصهيونية تعمل بجد وفق "خطة توحيد القدس"، ولهذا تم الإسراع في إنشاء الحي اليهودي، واستيطان التل الفرنسي، استيطان راموت اشكول، وطُوقت القدس بقوس عملاق من الأبنية العمودية الضخمة، على شكل سور دفاعي هائل، من خلال مشروع القدس الكبرى الذي يضم عشر مدن تحيط بالقدس!

 

ومن عام 1968، حتى أواخر السبعينات، صودرت 3345 دونماً من أراضي منطقة الشيخ جراح ووادي الجوز وأرض السمار، لتقام عليها أحياء يهودية بدأت تغلق الأفقين الشمالي والغربي، حتى استملك اليهود الممتلكات الشخصية والوقفية للسكان العرب بين حارة الأرمن وحي المغاربة.

 

وفي عام 1980، أقر الكنيست قانوناً جديداً باسم "قانون أساسي: القدس عاصمة إسرائيل" ويمنع هذا القانون أي حكومة من التوصل لاتفاق يمس وضع السيادة الصهيونية على القدس، ومنذ ذلك الحين، صودرت مساحات من أراضي قريتي بيت حنينا وشعفاط تبلغ 4400 دونماً، لإقامة مستوطنتي بسغات زئيف وبسغات أومير.

 

وهكذا أضحت 33% من مساحة القدس الموسعة، ما يقارب 24 كلم2، في حين لم تكن الممتلكات اليهودية تزيد عن 17% من مساحة القدس بأكملها، أي 5 آلاف دونم عشية حرب 1948!

 

وبدءاً من عام 1987، بدأت حملة جديدة بقيادة "ارييل شارون" وزير البناء والإسكان في حكومة الائتلاف، باحتلاله مبنى عربياً في أحد الأحياء الإسلامية بالقدس، وتبعتها خطوات أخرى في القرى والمدن المحيطة بالقدس من جانب المنظمات اليهودية المتطرفة.

 

وكان مجمل النشاط الاستيطاني في القدس مؤداه رفع عدد السكان اليهود في الجزء الشرقي من المدينة إلى أكثر من 165 ألف مستوطن حتى عام 1995، مقابل العدد نفسه من الفلسطينيين، وقد احتلت سلطة الاحتلال 32 قرية تحيط بالقدس ودمرتها عن آخرها، وأقامت على أنقاضها مستوطنات، كما صادرت أكثر من 24 ألف دونم خلال 40 عاماً منذ حرب 1967.

 

ونتيجة الخطط المتتالية، وقعت القدس داخل أربع أحزمة استيطانية:

1- الحزام الأول: يحاصر البلدة القديمة وضواحيها ويربطها بالجزء الغربي، عندما أنشئ الحي اليهودي داخل السور الأثري، والحديقة الوطنية حول شرق السور وجنوبه، والمركز التجاري الرئيسي ضمن داخله.
2- الحزام الثاني: يحاصر الأحياء العربية خارج السور في المناطق الواقعة داخل حدود بلدية القدس في العهد الأردني، بمستوطنات من ثلاث اتجاهات، على شكل أقواس تعزل المدينة عن الكثافة العربية.
3- الحزام الثالث: يهدف لحصار القدس الكبرى ثم تهويدها وتصفية الوجود العربي.
4- الحزام الرابع: المتمثل بالمشروع الاستيطاني في جبل أبو غنيم، ويستهدف عزل القدس من بيت ساحور من الجهة الجنوبية الشرقية.

 

ومن الجدير ذكره أن اتفاقات أوسلو عام 1993، أفسحت المجال أمام استئناف أعمال التهويد لمدينة القدس، بما أن الاتفاقيات لم تتضمن شيئاً حاسماً بالنسبة لمصير القدس، حيث تم التوافق على تأجيل البت بالمسألة لمفاوضات المرحلة النهائية.

 

حتّى أزقة البلدة القديمة تنتشر فيها الحواجز الشرطيّة لتحدّ من حركة الأهاليوتشير المعلومات الرسمية، عن مدى التقدم الذي أحرزته عمليات التهويد المستمر، ففي تقرير (معهد القدس لأبحاث "إسرائيل") بلغ عدد سكان القدس الموحدة نهاية 1995، 583.6 ألف نسمة، بينهم 431.7 ألف يهودي، مقابل 171 ألف عربي، وبلغت نسبة اليهود في القدس الشرقية، في الفترة عينها، 48.9% مقابل 51.1% للعرب، ومن المتوقع أن يصل عدد سكان القدس نحو 817.5 ألف نسمة عام 2010.

 

مع العلم، أن سلطات الاحتلال تضع يدها حالياً على أكثر من 74% من مساحة القدس الشرقية، وبقي بيد الفلسطينيين 14% فقط، مع حذف المساحات المرصودة للطرق الالتفافية، وتلك التي تُصنف على أنها مساحات خضراء يُحظَّر البناء فوقها، بل إن معلومات صحفية تؤكد أن مشروعاً هو قيد الدرس يقضي بتوسيع بلدية القدس حتى تشمل المستوطنات في الخان الأحمر شرقاً، وجبعات زئيف، وكل مستوطنات شمال القدس للوصول لغالبية يهودية تبلغ 80%.

 

هذا في وقت تضيّق في الإجراءات على سكان القدس من الفلسطينيين، من خلال عرقلة البناء، ورفع كلفة الرخصة، وسحب إجازات الإقامة تحت حجج واهية.

 

المراجع:

1- خليل توفكجي، الاستيطان في القدس: الأهداف والنتائج، ورقة عمل غير منشورة.

2- Statistical Year Book Of Jerusalem, 1995.

3- تقرير بتسليم بشأن الوضع السكني في القدس سنة 1999.

4- علي بدوان، الخارطة الاستيطانية في القدس والضفة، البيان الإماراتية 18/9/2005.

5- بلدية القدس، مكتب الإدارة العامة، وحدة التفكير الإستراتيجي ديسمبر 1995.

 

 

* باحث فلسطينيّ، وأستاذ التاريخ في جامعات غزّة.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


براءة درزي

كقدسٍ فيها مصباح..

الخميس 11 تشرين الأول 2018 - 8:41 ص

 صادفت يوم الثلاثاء الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد أسد الأقصى مصباح أبو صبيح الذي نفّذ في 9/10/2016، عملية فدائيّة في حي الشيخ جراح، خاصرة المسجد الشمالية المستهدفة بالتهويد. العملية التي أدّت إلى مق… تتمة »