كاميرات في "الأقصى" .. لماذا؟

تاريخ الإضافة الأربعاء 20 نيسان 2016 - 3:29 م    عدد الزيارات 3122    التعليقات 0

        



 

قد يشكّك بعضهم في بواعث اعتراض مزيد من الأوساط الفلسطينية على اتفاق الأردن وإسرائيل بشأن نصب كاميرات مراقبة في المسجد الأقصى، التي ترى أن هذه الخطوة ستُسهم في تعزيز قبضة إسرائيل على الحرم، وقد يُنظر إلى هذا الاعتراض أنه يأتي في إطار المبالغة الهادفة للمزايدة على عمّان. لكن، ما العمل عندما ينظر الإسرائيليون أيضاً إلى هذا الاتفاق على أساس أنه يهدف إلى تحقيق أهداف حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب. هناك أهمية كبيرة للشهادة التي قدّمها في هذا الشأن الجنرال رؤفين بيركو، القائد السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، والمحلّل الأمني في صحيفة "يسرائيل هيوم" التي ينظر إليها في تل أبيب على أنها "صحيفة بلاط" لعمق تأثير ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على خطها التحريري.

ففي مقال نشرته الصحيفة في 13 إبريل/ نيسان الجاري، يكتب بيركو أن الاتفاق الأردني الإسرائيلي بشأن نصب كاميرات في الأقصى يأتي في إطار "تعاون أمني أردني إسرائيلي سيفضي إلى تعزيز السيادة الإسرائيلية في القدس، وتحديداً في المسجد الأقصى، وسيُشكل ضربة قوية للجهات الإسلامية المتطرفة، المتمثلة في الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح، وحركة حماس وحزب التحرير، على اعتبار أنها الجهات التي تعمل على إثارة الأوضاع في الحرم".

ويسخر بيركو من زعم الأردن إن نصب الكاميرات في الأقصى يأتي "لمعالجة القوى الإسرائيلية المتطرفة "، ويجزم بأن هذا الزعم بحد ذاته "يأتي للتغطية على التعاون الأمني المشترك مع إسرائيل في المسجد الأقصى".

"إسرائيل سرعان ما نقضت تعهداتها، حيث تزعم الوزير أوري أرئيل حملات تدنيس الحرم التي ارتكبتها مجموعات من غلاة المتطرفين الصهاينة، بعد أقل من شهرين على التوصل إلى الاتفاق مع الأردن"

لا يمكن استبعاد أن بيركو استقى معلومات من زوجته عنات بيركو، القيادية في حزب الليكود، والعضو البارز في لجنة الخارجية والأمن التابعة للبرلمان الإسرائيلي، وهي اللجنة التي يطلع أعضاؤها على خفايا التفاهمات السرية مع الدول الأخرى. والتفاهمات السرية التي توصل إليها نتنياهو والملك عبدالله الثاني في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، وكشفت عن تفاصيلها أول مرة مجموعة الأزمات الدولية مطلع إبريل/ نيسان الجاري تبعث على القلق.

فحسب هذه التفاهمات، تعهد العاهل الأردني بإلزام الأوقاف الإسلامية بعدم السماح للمرابطين والمرابطات بالمبيت في المسجد الأقصى، في حين التزم نتنياهو بعدم السماح للسياسيين ونشطاء المنظمات الدينية اليهودية المتطرفة بتدنيس الحرم، مع السماح لبقية اليهود بذلك. لكن إسرائيل سرعان ما نقضت تعهداتها، حيث تزعم الوزير أوري أرئيل حملات تدنيس الحرم التي ارتكبتها مجموعات من غلاة المتطرفين الصهاينة، بعد أقل من شهرين على التوصل إلى الاتفاق. ليس هذا فحسب، بل استغل وزير الأمن الداخلي، جلعاد أردان، الاتفاق مع الملك، وأصدر أمراً تعد بموجبه مجموعات المرابطين والمرابطات في الحرم "تشكيلات غير قانونية"، ما سمح للشرطة باعتقال ومحاكمة أي شخص ينتمي لهذه المجموعات.

وتوثق كاميرات التلفزة حالات اعتقال عشرات من المرابطين والمرابطات تنفذها شرطة الاحتلال بشكل مهين. وعندما أحرج السلوك الإسرائيلي في الحرم الحكم في عمّان، تدخل وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، ونجح في أكتوبر/ تشرين الأول 2015 في التوصل إلى اتفاق جديد يُبقي على بنود الاتفاق السابق، بالإضافة إلى التزام إسرائيل بعدم السماح لليهود بـ "الصلاة" في الحرم. لكن، تبيّن، مرة أخرى، أن إسرائيل والمجموعات الدينية اليهودية وظفت هذا الاتفاق لتعزيز سيطرتها على الحرم، وإضعاف الوجود الإسلامي الفلسطيني فيه بشكل غير مسبوق. فآلاف الصهاينة الذين يدنسون الحرم يؤدون "الصلوات" التلمودية بشكل مستفز أمام ناظري المصلين المسلمين وموظفي الأوقاف.

ليس هذا فحسب، بل إن منظمة "معهد الهيكل" التي تنادي بتدمير الحرم القدسي وبناء الهيكل على أنقاضه تباهت، الأسبوع الماضي، بأنها تمكّنت، في شهر مارس/ آذار الماضي وإبريل/ نيسان الجاري، من عقد قران يهود ويهوديات داخل المسجد الأقصى (هآرتس، 13-4).

وقد تفاخر المجرم الحاخام بنتسي غوفشتاين، زعيم منظمة "لاهفا" الإرهابية التي تنفذ اعتداءات مُمنهجة ضد الفلسطينيين، تحديداً في القدس والخليل، على حسابه في "تويتر" في 25-3 بأن نجله عقد قرانه داخل الحرم. ويتمثل أوضح مظاهر توظيف إسرائيل الاتفاق مع الأردن، في سعيها إلى تعزيز قبضتها على الحرم، في اعتقال خطيب المسجد الأقصى، محمد سليم، قبل أيام، بحجة أنه "حرّض" على إسرائيل في الخطبة؛ في حين تسمح إسرائيل للحاخام يهودا كروزير الذي "أصّل فقهياً" لوجوب تدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه وعدم انتظار المخلص المنتظر من تدنيس الحرم وقتما أراد ذلك (هآرتس، 16-3).

هل تصدّق عمّان حقاً أن الكاميرات يمكن أن تشكل رادعاً للعدوان الصهيوني على الحرم؟ لقد وثقت الكاميرات إعدام أحد جنود الاحتلال الفتى الفلسطيني عبد السلام الشريف في الخليل، لكن هذا التوثيق دفع نخب الحكم في تل أبيب إلى دعم الجندي القاتل تحديداً. ومما يبعث المرارة في النفس أن بروتوكول لقاء الملك عبدالله الثاني وأعضاء الكونغرس في مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي، والذي كشف عنه الصحافي ديفيد هيرست أخيراً، يدلل على أن العدوان الإسرائيلي على الأقصى لا يجد تأثيره على العلاقات القوية بين عمّان والكيان الصهيوني.
-
 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

معركة حماية الأقصى: في فهم أهميتها وآلياتها

التالي

إسرائيل نست أنها المجرمة وحكمت على طفولة أحمد مناصرة

مقالات متعلّقة