الفرح والابتهاج وصية

تاريخ الإضافة الأربعاء 18 حزيران 2008 - 11:01 ص    عدد الزيارات 3176    التعليقات 0     القسم

        



لم يكنْ أحد يسمع أنّ لليهود حقّاً أو وجوداً عند حائط البراق، وهو الحائط الغربي للمسجد الأقصى، حتى جاء الاحتلال العسكري البريطاني، الذي أبدى انحيازاً واضحاً للحركة الصهيونية في شتى المجالات، وواصل المسيرة المندوب السامي البريطاني، فادّعى اليهود أنّ لهم حقاً في هذا الحائط المقدّس عند المسلمين حيث ربط فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- دابة البراق، في الحلقة التي يربط بها الأنبياء ليلة الإسراء والمعراج وسمي باسم حائط البراق لهذا السبب.

 

وادّعى اليهود أنّ هذا الحائط هو ما تبقّى من خراب الهيكل، ومن حقّهم الصلاة عنده تقرّباً للرب، وليدعوه أنْ يعيد لهم بناء الهيكل من جديد، فسمحت السلطات البريطانية لهم بذلك في الأعياد الرسمية الدينية فقط، شريطة أنْ لا يستفزوا مشاعر المسلمين ولا يرفعوا أصواتهم، لكنّهم لم يلتزموا بذلك، وأصبحت صلاتهم عند حائط البراق في ذكرى خراب الهيكل مثاراً للاستفزاز منذ عام 1924م، وحتى عام 1928م، لكنّ أعمالهم عام 1929م، بلغت ذروتها، وردّدت مسيرة صهيونية طافت في شوارع القدس، ومن ضمنها مسلحون صهاينة، قائلة: "الحائط حائطنا"، فاغتاظ المسلمون، وبدأت الاشتباكات بين الطرفين، وامتدّت من القدس إلى يافا وحيفا، والخليل، وصفد، وطبريا، وغيرها من المدن، وهاجم الثوار الفلسطينيون عدداً من المستوطنات الصهيونية مثل "بتاح تكفا"، و"موتسا"، و"حولدة" وغيرها.

 

هذه الاشتباكات عُرِفت باسم "ثورة البراق" وراح ضحيّتها 46 شهيداً في القدس، وفي حيفا سقط 19 شهيداً، وفي الخليل وضواحيها سقط 19 شهيداً، وفي صفد وقراها سقط 6 شهداء، وفي يافا وضواحيها والرملة وغزة سقط 17 شهيداً، فكان مجموع من عُرِف من الشهداء بالاسم في هذه الثورة (120) شهيداً أورد أكرم زعيتر أسماءَهم جميعاً في وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية.

 

اعتقلت سلطة الانتداب عدداً كبيراً من الفلسطينيين وبعض الصهاينة، وبعد التحقيق معهم، أصدرت حكماً بالإعدام بحق 25 عربياً، ويهودياً واحداً، بحجّة أنهم ارتكبوا جرائم قتل. لكن المندوب السامي البريطاني أصدر بلاغاً رسمياً رقم (14) منح فيه بموجب الصلاحيات المخولة له، عفواً عن (22) عربياً من الإعدام، واستبدل الأحكام الصادرة بحقّهم إلى السجن المؤبد، وأصرّ على تنفيذ حكم الإعدام في كلٍّ من:

1) فؤاد حسن حجازي (من صفد)
2) عطا أحمد الزير (من الخليل)
3) محمد خليل جمجوم (من الخليل)

 

أمّا الصهيوني الوحيد يوسف إبراهيم مزراحي الأورفلي، فقد سمح له باستئناف الحكم.

 

وفي يوم الأحد 17 يونيو (حزيران) 1930م، الذي تصادف ذكراه هذه الأيام نفّذت سلطة الانتداب حكم الإعدام في عكا الذين كانوا معتقلين فيه، ففي الساعة الثامنة صباحاً أعدم المجرِمون الشهيد فؤاد حجازي، وفي الساعة التاسعة أعدموا الشهيد محمد جمجوم، وأعدموا الشهيد عطا الزير الساعة العاشرة من صبيحة اليوم نفسه.

 

أُعلِن الحداد على هذه الجريمة لأربعين يوماً في جميع أرجاء فلسطين.

 

واكتملت حلقات الجريمة عندما صدر بلاغ رسمي بتاريخ 21 آب (أغسطس) 1930، يعلن تبديل حكم الإعدام الصادر بحقّ الصهيوني يوسف أورفلي المتهم بقتل عربيّيْن في يافا، ليصبح السجن لمدة عشر سنوات.

 

يعجبني هنا أن أسجّل جانباً من رسالة الشهيد فؤاد حجازي لأهله التي كتبها كوصية، قبل إعدامه بيوم واحد، ومما جاء فيها:

"أخويّ العزيزيْن يوسف وأحمد وفّقكما الله... أوصيكما بالتعاضد والمحبة الأخوية، والعمل بجدّ واجتهاد على مكافحة شقاء الدنيا لإحراز السبق في مضمار هذه الحياة التي ستقضونها إن شاء الله بالعزّ والهناء .. يا يوسف... عليك بالسهر على مستقبلك، فإذا كان الله قضى بذلك عليّ فما عليك أنت إلا الاطمئنان لحكمه تعالى.. إنّني من جهتي أسامح كلّ من شهد عليّ خاصة (...) وغداً يوم الحشر سأقابله وأطلب حقّي منه من الله سبحانه وتعالى، عليك ألا تضمر لأحدٍ سوءاً كما أوصيك بطاعة الوالدة واحترامها..
.. أحمد البكاء.. الشجار، التصويت، هذا ممنوع قطعياً لأنّني لم أكنْ أرضاها في حياتي، خاصةً تمزيق الثياب، يجب الزغردة والغناء، وأعلموا أنّ فؤاداً ليس بميّت، بل هو عريس ليس إلا...
إنّ يوم شنقي يجب أنْ يكون يوم سرور وابتهاج، وكذلك يجب إقامة الفرح والسرور في يوم 17 حزيران من كل سنة...".

 

نم هنيئاً يا شهيدنا ويا كلّ الشهداء، والشعب ملتزمٌ بالوصية وكلّ أيام السنة أصبحت عندنا 17 حزيران...

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

القدس 2009.. القدس دائماً

التالي

ديمة السمان تفتح أبواب الرواية العربية حول القدس

مقالات متعلّقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »