شعرٌ للقدس (الجزء الخامس)

تاريخ الإضافة السبت 12 تموز 2008 - 10:40 ص    عدد الزيارات 2399    التعليقات 0     القسم

        



إنّ قصيدة "زهرة المدائن" كانت فاتحة القصائد التي تناولت المدينة بقصائد متفائلة أو باحثة عن الخلاص، حتى أصبحت "قصيدة القدس" (موتيفًا) سواءً كان في وصف واقع المأساة أو في محاولة التحرر والخروج من الحيف والاحتلال.

 

غير أنّ قصيدة مظفر النواب (1934) "وتريات ليلية" وقد كتبها بين الأعوام (1970-1975) كانت ذات طابعٍ هجوميّ حادّ فيها اتّهام للعرب بالقصور، وفيها يأسٌ تنفّس عنه شتائم متتابعة لا تستثني الشاعر نفسه:

 

القدس عروس عروبتكم
فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها
ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها
وسحبتم كلّ خناجركم وتنافحتم شرفًا
وصرختم فيها أنْ تسكت صونًا للعرض
فما أشرفكم

 

وهذه القصيدة حملت توجّهًا جديدًا سرعان ما لاقى أصداء متباينة في الشعر الفلسطيني، فهذا فوزي البكري (1946-) يصدر ديوانًا بعنوان صعلوك القدس القديمة يضمنه القصيدة "هل يسكت بيت المقدس؟" فيقول:

 

قدسه الله… فسبحان الله
ماذا في بيت المقدس
يا عرب النفط/ القحط/ السخط
يا كل دراويش الجامعة العربية
فلتسقط كل منابركم
وليسقط كل أساطين اللغط

 

يحدّثنا الراوي عن آلات الحفر في المدينة للتنقيب عن الآثار اليهودية

 

"فماذا يبقى لنا؟ هل نرفع أيدينا بالدعوات؟ يا "عبد الملك" استيقظ، فالقدس تنوء بصرختها"


إنّه يحذّر من المآل، وكأنّه يتحدّث بلسان النبوءة التي وردت على لسان بعض أنبياء بني إسرائيل، وهم يتوقعون خراب المدينة، فيقول:

 

ماذا في بيت المقدس
غير الألم وغير الفقر وغير الجوع
ماذا في بيت المقدس
غير الأقصى
بيتاً لمساكين الأرض المحتلة مرفوع
هل يسقط بيت المقدس؟
يا عار العرب
ويا حزن التاريخ المسموع !!

 

وقد نحا المتوكل طه (1958) منحى هذه النظرة القاتمة المتهمة، فيقول في مطوّلة "فضاء الأغنيات":

 

وكيف نقول إنّا عند باب القدس
والعربان قد هربت
وخلّتها لتصبح أورشليم الهيكل المزعوم

 

وتبلغ سميرة الخطيب (ليلى المقدسية، 1945-) قمة اليأس في قصيدتها "المدينة الزانية"، فتقرّر أن تهجر المدينة للبحث عن حريتها، وتختم قصيدتها بالقول:

 

أعطني حريتي
تقْتُ أن ألحق القافلة

 

وتعلق الشاعرة في النهاية قائلة: " سقطت صفحات كثيرة"؛ وربما يكون هذا الموقف الغامض والغضب الرافض قد تأتّى بسبب ما أشارت إليه في قصيدة أخرى حيث إنّ الورد في مدينتها غريب، والطير لا يتقن التغريد، والسور حزين والناس:

 

"حديثهم عجب
وهمّهم أنْ يفعلوا ما يفعل القطيع
وربهم عجل من الذهب"

 

ونلاحظ أنّ هذه القصائد الرافضة لا تعمد غالبًا إلى تناول المقدّسات الدينية باعتبارها تُكأة وطنية، وإنما يكون الهمّ منصبًّا على المدينة المحتلة- المدينة المحتلة تنتظر الخلاص، المدينة التي تصفها منية سمارة (1954) بأنّها تستعصي حتى على الأنبياء:

 

لم تسلّمْ مفاتيحها لنبي واحد
ولم تركض خلف مرافئ الغزاة
ظلّت هكذا كأنها
تتلفع بعباءتها البركانية
وتمارس السحر على هذا العالم

 

وإذا كان "موتيف" القدس تتردّد فيه رموز الديانتيْن الإسلامية والمسيحية بشكلٍ خاص فإنّ هناك من عاد إلى التاريخ القديم- إلى (يبوس)، وهو الاسم الأول لمدينة القدس، فيكتب سميح القاسم(1939)  قصيدته "أُخذة الأميرة يبوس"، وتعني (الأُخذة) رقية كالسحر يعمل بها، وقد لاحظنا أنّ الشاعر ضمّن القصيدة سبعة تخطيطات هي رُقى، وفيها رسوم وحروف في أشكال متباينة، والقصيدة تقع في سبع مقطوعات، وفيها ردّ غير مباشر، على أولئك الذين يدّعون بداية تاريخ القدس بأنّها كانت في زمن الملك داود، والشاعر هنا يلجأ إلى لغة السحر تارة، وإلى اللغة الصوفية تارة أخرى، وكأنّه كاهن جديد يتلاعب بالحروف القدسية:

 

من سين السر إلى حاء الحب
يا رب
يا رب الأشياء جميعاً
يا رب جميع الأشياء
ضع في قلب يبوس جميع الميل
إلى مقتبل السين ومكتمل الحاء

 

إنّه يستلهم التاريخ كذلك، كما يستذكر عبادات الأقدمين وواقع حياتهم ومعيشتهم واهتماماتهم:

 

يا إيل المقتدر على الرغبات
مر ولبان وبخور
وحدائق نور
يا إيل القدوس

 

ويروي لنا عن كاهن عشتار، وعن مباركته لحبّ يبوس العروس للفتى البدوي الأمير، ثم يمضي في القول:

 

يتضرّع كاهن إيل
إنّ العاشق وحده منحى. منجى. ودليل
والفارس وحده يقطف هذي الوردة

 

وفي الأخذة السادسة نجد يبوس ضائعة، ولكنّها سرعان ما تهتدي بصوت العاشق، وينهي القصيدة بتلاحم عشقي بين العاشق والمعشوق "إلى أبد أبد تتبعه".

 

من هنا فإنّ يبوس هي من حقّ الفارس الكنعاني، إنها الوردة التي يجب أنْ تظلّ له بمباركة (إيل) القدوس.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

قدس الأقداس

التالي

القدس والأقصى كعنوان للصراع

مقالات متعلّقة

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

التحية لشيخ الأقصى رائد صلاح في عرينه

الثلاثاء 29 آب 2017 - 3:39 م

  هناك رجال غيّروا التاريخ وأعطوا برهانهم فصدقوا ما عاهدوا الله عليه وصدّقوا، قرنوا أقوالهم بأفعالهم في زمن عزّ فيه الرجال ثم مضوا في طريق الحق لا يخافون في الله لومة لائم، رجال إذا ذكر الوطن ذكروا وم… تتمة »