رواية بدّو (6)

تاريخ الإضافة السبت 20 أيلول 2008 - 10:04 ص    عدد الزيارات 9506    التعليقات 0     القسم

        



الفصل الأول (6)

تساءلت، هل يستطيع سليمان أنْ يتعامل مع غير الأرض؟ هل يمكن أنْ يصبح ذات يوماً عاملاً في إصلاح السيارات؟  وقبل أنْ أتمالك نفسي سألته:
- لماذا انتسبت إلى "قلندية"؟

 

نظر إليّ بدهشة، ثم انفجر ضاحكاً حتى انقلب على قفاه، وحين استعاد هدوءه قال:

- الأرض رغم كل شيء لا تنبع ذهباً.. المهنة شيء آخر!

 

سكت لحظة ثم تابع مستدركاً:

- والدي يقول ذلك...

 

قلت وأنا أبتسم:

- مثلما يقول والدي..

 

صرخ بعصبية:

- وهل تصدق؟

 

نظرت إليه متعجّباً..

 

بدا لي العرق الغليظ في جبهته البارزة ينتصب ويتصّلب.. كأنّه لم يتوقّع أنْ يظهر ذات يوم من يشارك والده الرأي.. رأيت في عينيه نظرة مخيفة..

الحقيقة أنّه لم يخطرْ في بالي في أيّ يوم تقديم إجابة عن سؤال مثل هذا.. أنْ أحار في البحث عن صحة أو أولوية أو أهميّة أحدهما..

 

الأرض والمهنة!

 

من أين لي أنْ أفطن إلى معادلة كهذه؟ وأنا لا أملك الأرض.. كل ما هنالك، أنّ والدي الذي يقرأ كثيراً، يؤمِن أنّ الآلة ستصيّر قدر الإنسان الجديد شاء أم أبى..

 

ولهذا السبب نسّبني طالباً إلى "مركز التدريب المهني.. في قلندية" ولم يفتْهُ في ذلك الوقت أنْ يزخرف ملامح المستقبل الذي سيشرق أمامي فور تخرّجي من المركز، حاملاً الشهادة التي ستفتح لي كلّ الآفاق، وتؤهّلني لدراسة الهندسة الميكانيكية في أرقى جامعات العالم..

 

ارتميت فرحاً بين أحضان الفرصة الأولى التي أتيحت أمامي، ليس وراء غاية تأمين مستقبلي، بل لأهرب من البيت والأسرة، أعيش على هواي، ضارباً بكتب الجغرافيا والتاريخ والتربية الوطنية عرض الحائط، ومسدِلاً إلى الأبد ستارة كثيفة على بوابة إعدادية صفد وصفوفها المتواضعة التي احتوتني فيها سنوات كثيرة، حتى أنهيت دراسة الصف التاسع..

 

أجبته ببرود:

- لست أدري؟

 

هّز رأسه ساخراً ورحنا نعمل سويةً بسعادة..

 

مع اقتراب المساء بدَتْ الشجيرات الصغيرة منتصبة على استقامة واحدة وعلى ارتفاع واحد متناسقة جميلة، نسينا ونحن ننظر إليها بفرح، ساعات التعب الطويلة التي قضيناها نعمل بصبر..

 

قال وهو ينفض التراب من يديه:

- نسمي هذه الشجرة إنعام!

 

قلت بعفوية:

- وهذه "كاثي"..!

 

أجاب وهو يرمقني بنظرة جافة:

- هدى.. إنعام.. كاثي... أعتقد أنها نغمة شاذة..

 

سكت قليلاً وكأنّه يقرأ من سفر مفرود أمامه، ثم همهم بحماس:

- أقول لك، نسمّي صف الأشجار كله الصف الشامي..

 

شّد على يدي بسعادة غامرة ونحن نركض عائدين إلى بدّو..

 

"نهاية الفصل الأول"

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

تأجيل قضية القدس يعني التنازل عنها

التالي

مثلث برمودا الاستيطاني يبتلع المدينة المقدسة...!

مقالات متعلّقة

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

التحية لشيخ الأقصى رائد صلاح في عرينه

الثلاثاء 29 آب 2017 - 3:39 م

  هناك رجال غيّروا التاريخ وأعطوا برهانهم فصدقوا ما عاهدوا الله عليه وصدّقوا، قرنوا أقوالهم بأفعالهم في زمن عزّ فيه الرجال ثم مضوا في طريق الحق لا يخافون في الله لومة لائم، رجال إذا ذكر الوطن ذكروا وم… تتمة »