القدس في الوجدان العربي والإنساني

تاريخ الإضافة الثلاثاء 21 تشرين الأول 2008 - 11:13 ص    عدد الزيارات 11346    التعليقات 0     القسم

        



 


القدس
في الوجدان العربي والإنساني

 

 

إعداد 
د. محمد فؤاد السلطان
 أستاذ الأدب والنقد المشارك
بكلية الآداب – جامعة الأقصى.

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة

 

لم يعرف العرب في تاريخهم محنة أشد ضراوة من محنة القدس، فقد أثارت مشاعر الأدباء والشعراء في مختلف بلاد العروبة والإسلام على مر الأيام، فخلفوا لنا تراثاً أدبياً ضخماً في أحداثه، يتسم في معظمه بصدق  القول، وحرارة الأداء، وروعة التصوير. وليس هذا غريباً لما تتمتع به زهرة المدائن وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ملتقى الأنبياء، وبوابة الأرض إلى السماء.
لذا غدا لزاماً عل كل المخلصين من أبناء هذه الأمة أن يتناول القدس، هاجس الأمة وآلامها وأمالها، وإن ما فاضت به قرائح الشعراء ليس في جوهره إلا روح الأمة وسفر نضالها، وبوحي من ذلك كله كانت هذه الدراسة.

 

أولاً: البعد الديني:

 

يحتل الدين – عبر العصور والأجيال – حيزاً هاماً في وجدان الإنسان، ولا يخفى ما للدين من أهمية في حياة الناس، لما له علاقة بعواطفهم؛ إذ ليس هناك عاطفة أقوى من عاطفة الدين.
ولمكانة القدس الدينية والحضارية اتجهت أفئدة الشعراء إليها، فجاء إنتاجهم غزيراً  من هنا لجأ الشعراء إلى الدين كمصدر هام وأساسي في الشعر العربي المعاصر الذي كتب عن القدس. فما يكاد يخلو نص من نصوص هذا البحث من بعد ديني، طالما تتناول هذه النصوص مدينة مقدسة لدى كل الديانات السماوية الثلاث.
من هنا اتجهت الأنظار إلى القدس باعتبارها مدينة مقدسة، تتمتع بقدسية عظيمة لدى معتنقي الديانات السماوية الثلاث.
اعتبرها اليهود عاصمتهم المقدسة منذ القدم, وقد اتخذها الملك داود عاصمة دينية مقدسة سنة ألف قبل الميلاد، وأمر ببناء الهيكل الذي أتم بناءه ابنه سليمان، فضلاً عن بعض أماكن عبادتهم فيها مثل "حائط المبكى"، وبعض الكنس والأماكن المقدسة.
واتخذها المسيحيون مدينة مقدسة بعدما جاء به عيسى عليه السلام لأتباعه، ولهم بها كثير من أماكن العبادة المسيحية مثل المهد، والقبر، ودرب الآلام، وكثيراً من الكنائس، أهمها كنيسة الميلاد والقيامة.
وبدأت أنظار المسلمين تتجه إليها حين نزل قوله تعالى:"سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله". [ الإسراء، الآية الأولى]

 

وكانت هذه المباركة دافعاً آخر لتعلق المسلمين بالقدس وما حولها، كذلك اتخاذها قبلة للمسلمين مدة ستة عشر شهراً تقريباً، وفتح هذه المدينة في عهد عمر بن الخطاب الذي افتتحها بنفسه فضلاً عن وجود أماكن عبادة كثيرة بها، أهمها المسجد الأقصى، وقبة الصخرة، ومسجد عمر، وبعض قبور الصحابة.
ويتفق بعض الشعراء –على اختلاف دياناتهم – في نظرتهم إلى أهمية هذه المدينة المقدسة من وجهة نظرهم الدينية.
فاليهود يعتبرونها مقدسة إلا أنهم ينكرون حق غيرهم فيها، لأنهم لا يؤمنون بغير أنبيائهم. أما المسيحيون فهم أكثر تسامحاً من اليهود مع غيرهم، بسبب انفتاح دينهم وتسامحه مع بني البشر. ويعتبر المسلمون الأكثر تسامحاً مع الآخرين، لاسيما أهل الكتاب لإيمانهم بجميع الأنبياء، ولعل تاريخ المسلمين خير شاهد على ذلك.

 

غير أن النظرة إلى القدس في هذا القرن قد تغيرت كثيراً لدى نفرٍ كبير من الشعراء العرب بسبب الأيديولوجيات الحديثة، والأحزاب السياسية، والاتجاهات الأدبية السائدة، فلم تعد للقدس عند كثير من الشعراء – تلك الهالة من القداسة، بل نظروا إليها باعتبارها مدينة تاريخية أو عاصمة سياسية.

 

تدنيس المقدسات:

 

تميزت قصائد هذه المجموعة بتصوير المقدسات، وما تعانيه من تدنيس وهوان من قبل العدو المحتل وقد جمع الشعراء في هذه القصائد ما تتميز به المدينة عبر تاريخها الطويل من قدسية المسجد الأقصى مسرى الرسول ومدرج المسيح وأمه البتول، ففيها أذن بلال لأول مرة بعد وفاة الرسول، وشيد عمر الفاروق فيها مسجداً، وروع صلاح الدين جحافل الصليبيين.

 

تلك المشاعر الدينية الملحة، جعلت الشعراء يعودون إلى ذاكرتهم الثقافية ينتقون منها ما ينفسون به عما يجيش في وجدانهم من مشاعر صادقة في أصعب الظروف ."تلك الذاكرة التي تأتي دائماً وبشكل ملح في فترات التهديد القومي، لأنها قادرة على أن تتحول إلى قوة فعلية لحظة يتهدد بناء اجتماعي كامل بالانهيار والدمار ". [إلياس خوري عالم الدلالات في الشعر الفلسطيني – مجلة شؤون فلسطينية العددان 41، 42 ، 1975 – ص373].
فمضى الشعراء يخاطبون المسلمين والمسيحيين العرب، مثيرين فيهم المشاعر الدينية، مذكرين بمقدساتهم في القدس، وكثيراً ما كان يقرن ذكر المسيح بذكر النبي العربي عليهما السلام، وكنيسة القيامة بالمسجد الأقصى، ودقات الأجراس بأصوات المؤذنين.
إن قصائد هذه المرحلة – في معظمها – ظلت تمثل قصائد القول خارج الفعل، ولا تمثل الفعل، وإن شئت فقل: إنها تمثل الانفعال لا الأفعال.
ويصور زاهر الألمعي الذل والهوان اللذين يخيمان على القدس ومقدساتها، والكون لا يسمع، ولا يرى، ولا يتكلم، فيرسل صرخة إلى كل من يهمه أمر القدس ومقدساتها، من الغيارى على الدين والحرمات، فيقول:

 

يا ثالث الحرمين إن العهد في         أعنـاقنا قد  صـار عهداً  أكبرا
لهفي عليك وللسياسة مكـرها         أتباع في سوق الطـغاة وتشترى
ويـشيد أبناء اليـهود بغيـهم         فوق الربوع  الطاهرات معسكرا
أتداس أقداس الجـدود تعنـتاً         ومساجد التقوى تهان وتزدرى ؟!
والمسجد الأقصى يخضب بالدما      والكون كل الكون أعمى لا يرى؟!

 

[زاهر الألمعي – ديوان على درب الجهاد – مطابع الفرزدق التجارية – الرياض – ط3- 1403هـ ، ص 229]
ويتساءل بدوي الجبل: هل درت أمته العربية التي يرمز لها بعدن بما حل بمسجدها الأقصى، ومسرى البراق، وكنيسة المهد، ويكرر التساؤل من خلال استحضار الشخصيات التاريخية التي لها علاقة بمعارك المسلمين والعرب الخالدة، يقول من قصيدة بعنوان "من وحي الهزيمة":

 

هل درت عدن  أن مسجدها الأقصى          مـكان  من  أهـله   مـهجور
أيـن  مسـرى  البراق   والقـدس          والمهد وبيت مقدس  معمـور؟!
لـم  يـرتـل  قـرآن  أحمد  فـيه          ويزار المبكى ويتلـى الزبـور
هـل  درى  جعفر  فرفَّ  جناحـاه          إلـى المسجد الحزين يطـير؟!
نـاجت  المسجد الطهـور وحنـت          سـدرة  المنتهى وظـل  طهور
أيـن رومـا؟  وجـلَّ حَبْرٌ  بروما          مهد عيسى يشكو ويشكو البخور!
صلب  الـروحَ مرتين الطـواغيتُ          جـراح  كـما  يصـوغ العبير
يا لـذل الإسـلام  والقـدس نـهب          هتكت أرضـه فأيـن الغيور؟!
لا تشـق الـجيوب في محنة القدس          ولكنها تشق الصدور

 

[ بدوي الجبل (محمد سليمان الأحمد) ديوان بدوي الجبل، ص 195]

ويحاول كمال ناصر التجلد والصبر على ما حل ببلدة المسيح من أذى، مستلهماً تعاليم المسيح وأمه العذراء عليهما السلام التي انتبذت مكاناً قصياً، وجاءها المخاض بالقرب من نخلة تساقطت عليها قطوفها الدانية رطباً جنياً، فأكلت وشربت وقرت عينا، هذه المعاني القرآنية، استلهمها الشاعر المسيحي كمال ناصر، وأحسن توظيفها في قصيدته (صرخة الميلاد) فقال:

 

يا رؤى الخير حاذري أن تغيبي          واصمدي لـلأذى بدنيا الذنوب
إن للحـب دمعة  مـا تـوانت          تتهادى بالطهر  فـوق الصليب
سكبتها جـراح عيسى فسالـت          بـضياء الغفران  بين القلـوب
وانتشت مريـم  البتول بفيـض          يتلظـى في جسمـها المشبوب
وأقامـت بـها  مكـاناً قصـيا          عن فضول الملا وعين الرقيب
وانـحنت نخـلة وأطرق غضن         نابض بالجنى الشـهي الرطيب
يا نبي السلام في الهدأة البكر             على الشاطئ الوجيع السليب
البلاد التي عرفت صغيراً                 ماجت اليوم بالوفي والشحوب
نام عنها حُماتها واستباحوا                 كعبة النور في الملم العصيب

 

[كمال ناصر – ديوانه – ص 87]
ويتساءل على أحمد باكثير مندهشاً، كيف يصبر العرب على هذا الواقع المزري؟! من تفريط في مسرى الرسول الكريم، وردت هذه المشاعر التي تفتقر إلى الحرارة والانفعال الصادق المؤثر في قصيدة بعنوان:" فلسطين المجاهدة" قال فيها:

 

ألا لـيت شعري كيف تصبر يعرب         على حالـة فيها المنية تعـذب؟!
أيرضى بنو الإسلام مسرى رسولهم        لأهون مَنْ فوق البسيطة يوهب؟!

 

 [كامل السوافيرى – الشعر العربي الحديث في مأساة فلسطين – ص282]

وتهز القدس مشاعر الرومانسي على محمود طه الذي ترك كرنكه وجندوله وهبَّ يدعو لنجدة القدس في قصيدته الشهيرة "أنشودة الجهاد في يوم فلسطين" والتي يقول فيها:

 

أخي  جاوز الظالمون المدى        فحق الجـهاد وحق  الفدا
أنتركـهم يغصبون  العروبة        مجد  الأبـوة والسـؤددا
أخي إن في القدس أختاً لـنا        أعد لها الذابحون المـدى
أخي قم إلى قبلة المشرقـين        لنحمي  الكنيسة والمسجدا

 

 [خالد سليمان – فلسطين في الشعر العربي الحديث – دار قنبر للطباعة – لندن – 1983 – ص61]
وهذا عمر أبو ريشة يخاطب قدس الأقداس، مستحضراً تاريخ المدينة العتيقة بمحرابها وذكرياتها، ومن لهم علاقة بها كعيسى ومحمد عليهما السلام، يقول من قصيدة بعنوان: "يا عروس المجد" [ عمر أبو ريشة – ديوان عمر أبو ريشة – ج1]:

 

يا عروس المجد تيهي واسحبي         في  مغانـينا ذيـول الشـهب
مـا بلـغنا بعدُ  من  أحـلامنا         ذلك  الحلم الكـريم الذهـبي
أين في القدس ضلـوع  غضة         لـم تلامسها ذنابـي عقرب؟!
وقف التـاريخ في محـرابـها        وقفة  المرتجـف  المضطرب
يا روابي القدس يا مجلى السنا          يا رؤى عيسى عل جفن النبي
دون عليائك في الرحب المـدى        صلـهة الخيل ووهج القضب!

 

ويطلب محمد جميل شلش من أمته أن تضمد جراحها، وتبسم رغم الألم، وتتمسك بعرى التضامن والنضال، مستحضر معركة حطين التي لقنت الصليبيين الغزاة درساً في الحرب والسلم وتحررت القدس بعدها، وردت هذه الخواطر في قصيدة بعنوان:"إلى جماهير الأمة العربية" قال فيها:

 

شدي جراحك بالنجيع وضمـدي        وتبسمـي فسناك يبسـم  في غـد
وتمسكي بعرى النضـال عزيزة       عرباء تحـي فيـك طيب  المـولد
الحق للـدم  والحـديد فزمجري       حمماً على درب النضال السرمدي
ولقيل: يا قدس العروبة زغردي        حطين موعدنا!! وأشرف  موعـد
يا قدس عفوك، ما يفور به دمي         شرف ليومـك أن يثـور بمذودي
عشرون عاماً يا جماهير الحمى        والعـار في حـرم المسيح وأحمد

 

[مهرجان الشعر التاسع، ص142]
هناك قصائد عديدة تناولت حدثاً ما في القدس، كالإسراء والمعراج، وذكرى المولد النبوي، وأعياد الميلاد المجيد، أو موقعة ما كحطين واليرموك وإلى غير ذلك.
وتعتبر قصيدة "زهرة المدائن" للأخوين عاصي ومنصور رحباني – التي غنتها فيروز، وكان لها صدى كبير في الشارع العربي من أكثر القصائد التي قيلت في القدس – قرباً إلى الوجدان العربي- والتي جاء فيها:

 

لأجلك يا مدينة الصلاة ... أصلى
لأجلك يا بهية المساكن ... يا زهرة المدائن... يا قدس ... يا قدس ... يا قدس
يا مدينة الصلاة ... أصلي
عيوننا إليك ترحل كل يوم        تجـول في أروقـة المعابد
تعانق الكنائـس القديمـة         وتمسح الحزن عن المساجد
يا ليلة الإسراء
يا درب من مروا إلى السماء

 

[ جوزيف عيد – الصلاة في أغاني فيروز – 1974 – ص51] 

ويبدو أن قصيدة زهرة المدائن  كانت رداً على سيرورة القصيدة العبرية المغناة: "أورشليم من ذهب" JERUSALEM of GOLD  للشاعر اليهودي (نعومي شيمر) وللنص علاقة بالديانة اليهودية والموروث اليهودي في التوراة وطقوس اليهود في الزواج، ورؤية اليهود للقدس، ومكانتها في نفوسهم، فهم يعنون بالقدس من ذهب: (تاج الزواج) أي إكليل الزواج الذي يوضع على رأس العروس عند اليهود، وقد ربط الشاعر بين سور القدس وبين إكليل الزواج المصنوع من الذهب على سبيل الاستعارة.
وجاءت القصيدة "القدس" لنزار قباني [نزار قباني، الأعمال السياسية الكاملة – مج3 – ص164] على غرار قصيدة زهرة المدائن للأخوين رحباني من حيث اللغة الشعرية، والإحساس بالمكان، والبحث عن الخلاص واللجوء  إلى الرموز الدينية لتصوير المأساة.
وقد برع الشاعر في نقل الأحاسيس والمشاعر، ووصف كل ماله علاقة بالقدس كمكان له خصوصيته، من ناحية تاريخية ودينية، وسياسية، وحضارية. يقول فيها:

 

بكيت حتى انتهت الدموع
صليت.. حتى ذابت الشموع
ركعت.. حتى ملني الركوع
سألت عن محمد فيك ، وعن يسوع
يا قدس، يا مدينة تفوح أنبياء
يا أقصر الدروب بين الأرض والسماء
يا قدس يا مدينة الأحزان
يا دمعة كبيرة تجول في الأجفان
من يوقف العدوان
عليك يا لؤلؤة الأديان! يا قدس يا مدينتي
يا قدس يا حبيبتي

 

نظر الشعراء إلى القدس باعتبارها المدينة الحلم والرمز والمعادل الموضوعي والهوية كفكرة الوطن والدين، الذي يترامي بظلاله على كل شيء.
وقد وظف خليل حاوي التراث الأسطوري في شعره توظيفاً ناجحاً، دل على عمق الرؤية المستقبلية، والاستيعاب النقدي للماضي، في عمل فني مكتمل، يتجاوز التعبير عما هو كائن، إلى معانقة المستقبل، لقد حمل هم القدس صليباً، فكتب بعد هزيمة حزيران 1967 قصيدة "الأيام الحزينة" [خليل حاوي – ديوان خليل حاوي، دار العودة – بيروت – 1993 – ص393] التي جاءت صورة لذهول حزين أمام واقع مرعب، استعار الشاعر عنوان قصيدته من التراث المسيحي؛ حيث كانت العذراء مريم أم المسيح رمزاً للقدس والطهارة هي الأم الحزينة، التي عانت آلام موت ابنها. وإذا كانت العذراء الحزينة قد شيعت مسيحاً واحداً، فإن القدس الحزينة شيعت ألف مسيح ومسيح ماتوا في أجواء قاحلة ومظلمة، توحي بموت أبدي لا يتلوه انبعاث حسب قول الشاعر.

 

ب- استحضار الرموز الدينية التي لها علاقة بالقدس:

 

كثر استحضار الرموز الدينية في الشعر المتصل بالقدس؛ إذ لا تكاد تخلو قصيدة من هذه الرموز. لكن بعض هذه الرموز كانت ترد وروداً عابراً لا تتجاوز ذاتها، بينما ينطوي استحضار بعضها الآخر على خطورة لا تخلو من براعة، لما تحجبه من نوايا حقيقية، لكون هذه الرموز قابلة لأن تشحن بشتى المعاني القادرة أن توقظ في نفس القارئ استجابة تربط الاستجابات الهاجعة في الذاكرة بالموقف المستجد الذي يقدمه الشاعر كما تظهر انتصار الشاعر على تعصبه الديني، ومجاراته لتطورات عصره، وخروج الشاعر من دائرته الضيقة إلى دوائر أوسع، أو لنقل: اقتراب الشاعر أكثر من الشعر الإنساني.
ويمكن تقسيم الرموز الدينية التي لها علاقة بالقدس بشكل مباشر أو غير مباشر – إلى رموز يهودية، ورموز مسيحية، ورموز إسلامية. وكثيراً ما كان الشاعر يستلهم رموز ديانة أخرى، وقد يستلهم رموز الديانات الثلاث في قصيدة واحدة، إلا أنه قد يقتصر على رموز ديانته من باب التعصب الديني لما هناك من علاقة بين البعدين الديني والعاطفي، وكثيراً ما كانت الرموز هي التعبير عن الوجدان الجمعي للأمة في جانب من جوانب الوجدان، وفي مرحلة معينة من مراحلها.

 

1- قصائد تستلهم رموزاً لديانة واحدة:

 

تمثل مجموعة قصائد رفقة أهارون – الشاعرة اليهودية – استلهام رموز يهودية دون غيرها كما في قصيدة "خمس حمائم في أورشليم"، وقصيدة "في جبال أورشليم"، وفي قصيدة "من مشاهد القطمون" [رفقة أهارون – باقة أقحوان على أجنحة حمائم أورشليم -  إصدار مجلة الشروق جامعة حيفا، القدس، 1978، ص19، نقلها إلى العربية زكي بنيامين، ومحمود عباسي] تستلهم رموزاً يهودية فقط (كأورشليم).
ويستلهم محمد بنيس – وهو شاعر مسلم – رموزاً يهودية دون غيرها، ففي قصيدة بعنوان "موسم الحضرة" يستلهم رمز (الألواح) إضافة إلى رمز القدس الذي يعتبر رمزاً عاماً غير مختص بديانة دون غيرها. [محمد بنيس، ديوان موسم الشرق – دار الشؤون الثقافية العامة – آفاق عربية بغداد – ط2 – 1986 – ص40]
ومن الرموز المسيحية التي وردت مستقلة أيضاً، ما جاء في قصيدة (لم يولد المسيح) لفوزي عطوي، فورد لفظ (المسيح)،  (العذراء)، (مهده)، (قبره)، (ملائكة).
[فوزي عطوي – ديوان القوافي المبحوحة – جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني – بيروت – 1979- ص41].
ومن الرموز الإسلامية التي وردت مستقلة عن غيرها من رموز الديانات الأخرى، ما جاء في قصيدة لمحمد جميل شلش "إلى سليمان العيسى" فقد ورد لفظ (حطين) وكذلك قصيدته "رسالة إلى إلزا عربية" لم يرد غير رمز حطين أيضاً. 
[محمد جميل شلش ، ديوانه، ص 442، ص515]
وما زلنا مع رمز (حطين) الذي ورد بجانبه رموز إسلامية أخرى مثل: (موئل النبوات)، (سر القداسات) هذا ما ورد في قصيدة حسن القرشي:"يا فلسطين".
[حسن القرشي، فلسطين وكبرياء الجرح – مج2- ص 646].
ويرد رمز (حطين) مع رمز بطل حطين (صلاح الدين) مع رمز سيف صلاح الدين (سيف الله).
شكلت هذه الرموز التي وردت في قصيدة بعنوان (طلوع الفجر) لمحمود الروسان – عناصر المعركة الخالدة: المكان، والبطل ، والسلاح، والزمان المتمثل في عنوان القصيدة، وكل هذا يحمل أبعاداً أو دلالات تبعث الأمل والتفاؤل في المستقبل الذي ينتظر القدس.
[ محمد الروسان – ديوان على دروب الكفاح – ص82]
وتسفر الرموز الواردة في قصيدة :"أرض الإسراء" لهارون هاشم رشيد عن نتائج معركة حطين بأبطالها وسراياها، تحمل لواء النصر، وتحيي شهداءها، فمن الرموز الواردة في هذه القصيدة : (صلاح الدين)، (حطين)، (سرايانا)، (لواء النصر)، (الشهداء).
[هارون هاشم رشيد – الأعمال الشعرية الكاملة – ص139]
ومن الرموز التي وردت في قصيدة "الرحلة ابتدأت" لأحمد عبد المعطي حجازي (القدس الشريف)، (أرض السلام)، (المسجد الأقصى).
[أحمد عبد المعطي حجازي – ديوانه – دار العودة – بيروت – 1973 – ص496]
ويرد رمز (الأقصى) في قصيدة "ثمود" لأدونيس.
[أدونيس – الأعمال الشعرية الكاملة – مج2 – ص315]
كما وردت بعض الرموز التي لها علاقة بالقدس، وبحادثة الإسراء والمعراج عند أدونيس في قصيدته "رحيل في مدائن الغزالي"، مثل (الإسراء)، (البراق)، (جبريل)، (المعراج)، بيت المقدس. [ أدونيس – الأعمال الشعرية الكاملة – مج2 – ص121]

 

 

2- قصائد تستلهم رموزاً لديانتين:

 

ردت رموز مسيحية إضافة إلى الرموز اليهودية، عند الشاعرة اليهودية – رفقة أهارون في قصيدتها :" أورشليم" فمن الرموز التي وردت (أجراس)، (أورشليم).
[رفقة أهارون – باقة أقحوان على أجنحة حمائم أورشليم ، ص 20]
وهذه رموز مسيحية إضافة إلى الرموز الإسلامية ترد عند شاعر مسلم في قصيدة بعنوان :" إفادة في محكمة الشعر" لنزار قباني، والرموز المسيحية التي وردت (المسيح)، (مريم العذراء) (النواقيس)، ومن الرموز الإسلامية (المآذن) إضافة إلى (القدس). [نزار قباني – الأعمال السياسية الكاملة – مج3 – ص404]
وهذا إيليا أبو ماضي – هو شاعر مسيحي – يستلهم رموزاً إسلامية، وذلك في قصيدة "سبيل التوحيد"، والرمز الإسلامي الذي ورد (البيت) إضافة إلى رموز مسيحية (الناقوس)، (الجرس). [إيليا أبو ماضي – ديوان أبي ماضي – ص466]
وترد رموز مسيحية وإسلامية عند شاعر مسلم في قصيدة بعنوان "معركة حطين الخالدة" لمحمود الروسان، وهي (المهد)، وهو رمز مسيحي، و(حطين) و(صلاح الدين)، و(خالد) والطريف أن ترد رموز يهودية ومسيحية عند شاعر مسلم، كما هو الحال في قصيدة بعنوان "موسم النيل" لمحمد بنيس، فقد ورد (جدار المبكى)، (قداس الذبح) وهي رموز يهودية و (مريم) وهو رمز مسيحي. [محمد بنيس – موسم الشرق – ص 90]
وفي قصيدة بعنوان :"من لاجئ فلسطيني إلى إيرهارد" لمحمد جميل شلش ترد رموز مسيحية مثل: (موطن الميلاد)، (مسيحها الجبار)، إضافة إلى الرموز الإسلامية مثل: (محمد) عليه السلام، (حطين). [محمد جميل شلش – ديوانه – ص454]
وترد أيضاً هذه الرموز المسيحية والإسلامية في قصيدة بعنوان "ذكرى وعد بلفور" لمحمد مصطفى حمام، من الرموز المسيحية (الدير)، (الأجراس)، ومن الرموز الإسلامية (المسجد الأقصى)، (المآذن)، (الفتح). [محمد مصطفى حمام، ديوان حمام، ص138]
وننهي قصائد هذا القسم بقصيدة "نغم من موكب الشمس" لحسن القرشي؛ حيث وردت رموز مسيحية (مهد عيسى) ورموز إسلامية (المنبر)، (الوحي).
[حسن القرشي – عندما تحترق القناديل- المجلد الثالث – ص212]

 

3- قصائد تستلهم رموز الديانات الثلاث:

 

بدأ هذا القسم بقصيدة تحمل عنوان :" مبادرة السلام رسالة" للشاعر اليهودي أنور شاؤول استحضر فيها رموزاً من الديانات الثلاث، فمن الرموز اليهودية: (إسرائيل)، (بيغن)، (إبراهيم) ومن الرموز المسيحية: (كنيسة المهد)، ومن الرموز الإسلامية: (مسرى النبي)، (محمد). [ أنور شاؤول، ديوانه وبزغ فجر جديد، رابطة الجامعيين اليهود النازحين في إسرائيل – القدس – 1978 – ص30]
وهذا شاعر مسيحي يستحضر رموزاً للديانات الثلاث، إنه الشاعر القروي رشيد سليم الخوري الذي وظف هذه الرموز لخدمة قضية القدس، فمن الرموز اليهودية التي استخدمها ووظفها في خدمة المعركة مع الصهاينة: (اليهود)، (مبكاكم)، (الجدار)، (يهو شافاط).
ومن الرموز المسيحية: (وطن المسيح)، (الصليبيون)، (المسيح)، (الصليب)، (قبر المسيح) ومن الرموز الإسلامية: (صلاح الدين).
 [رشيد سليم الخوري – الشاعر القروي – ديوان الهوى والشباب – ص286]
أما عند الشعراء المسلمين، فقد كثر استحضار رموز الديانات الثلاث مجتمعة في قصائدهم ففي قصيدة بعنوان : (إلى المنتدبين الراحلين) لفؤاد الخطيب، وردت رموز يهودية مثل: (التوراة)، (اليهود)، ورموز مسيحية: (مهد المسيح)، (يصلبوكم)، (الآحاد)، ورموز إسلامية (المسجد الأقصى)، (الجُمَع).
 [ كامل السوافيري، الشعر العربي الحديث في مأساة فلسطين – ص518]
وتتضح بصورة أكبر عند عدنان النحوي ففي قصيدة :"رحلة الموت" رمز (عيسى) وهو رمز مسيحي، أما الرموز اليهودية (داود)، (سليمان)، ومن الرموز الإسلامية (الأقصى)، (عمر)، (أحمد). [عدنان النحوي – ديوان موكب النور – ص70]
وفي قصيدة بعنوان "خواطر لاجئ" لمحمد على السنوي، ورد رمز يهودي واحد هو (موسى) وقد تكرر مرتين، وكذلك رمز مسيحي واحد (ميلاد عيسى)، ورموز إسلامية منها (مسرى أحمد). [محمد على السنوي، الأعمال الشعرية الكاملة – ديوان الأزاهير – ص476]
وتلح الرموز الدينية على خالد الفرج، لاسيما رمز (حطين) و(صلاح الدين) في ظل غياب البطل العربي الذي يثأر لمقدسات الإسلام، وللمعذبين من قوى البغي والظلم وهي رموز إسلامية. ورد رمز (صهيون) وهو رمز يهودي، كما ورد رمز (الصليب) وهو رمز مسيحي. [محمد إبراهيم حور – فلسطين في الشعر المعاصر بمنطقة الخليج العربي – الإمارات – دبي – 1984 – ص32]
وفي قصيدة "إيقاعات قبل مارشات النصر" لمحمد الفيتوري، وردت رموز يهودية (هيكل)، (إسرائيل)، ومسيحية (عذراكم)، (جلجلة الناقوس)، وإسلامية (البيرق)، (صلاح الدين).
ونلاحظ تكرار بعض الرموز مثل هيكل "إسرائيل"، صلاح الدين لما لهما أهمية خاصة في نفس الشاعر، وما بين الرمزين اليهودي والإسلامي من علاقة، فهما طرفا الصراع في قضية القدس. [محمد الفيتوري – ديوان محمد الفيتوري – دار العودة -  1979 – ص437]

 

ج- استخدام رموز يهودية وتوظيفها:

 

إن الشعراء العرب، لاسيما شعراء فلسطين، استعملوا رموزاً تتعلق بتاريخ اليهود، ليكسبوها بعداً عربياً أو ليلبسوها التاريخ العربي، كما فعل محمد الفيتوري في قصيدته "موت الملك سليمان". [ديوان محمد الفيتوري – قصيدة "موت الملك سليمان " – ص579]
وهذا محمود درويش يتناول رموزاً تتعلق بتاريخ اليهود، ليكسبها بعداً فلسطينياً، كما جاء في مقطوعته السابعة عشرة من ديوان (أحبك أو لا أحبك) التي أفردها للقدس.
ومن الرموز الواردة في المقطوعة : (مواليد السلاسل) إشارة إلى سبي اليهود، و(هللويا) وهو لفظ ورد في التوراة نشيد جماعي أو جوقة يتردد صداه في نهاية الفقرة خاتمة الإصحاح.
ولا يزال محمود درويش يستلهم رموزاً من التراث اليهودي التي لها علاقة بالقدس مثل: (هيكل القدس)، (أشعيا)، (أورشليم)، (اليهودي)، (البكاء)، العهد القديم. وردت هذه الرموز في قصيدة محمود درويش "مديح الظل العالي" [محمود درويش – مج2 – ص29] وقد استطاع توظيفها في التنديد بجرائم العدو الصهيوني ضد العرب، لاسيما الفلسطينيين.
وفي مطولة بعنوان "مأساة النرجس" و "ملهاة الفضة" [محمود درويش – ديوانه – مج2 – ص 136]، يؤكد محمود درويش أن أورشليم وهيكلها، بل توراتها هي توراة كنعان، وليس توراة العبرانيين؛ إذ كل ما على هذه الأرض الكنعانية هو ضمن تراثها، وملك لها، ويسوغ محمود درويش استخدامه لرموز تتعلق بتاريخ اليهود بقوله: "إنني اعتبر نفسي كفلسطيني، وكنتاج هذه الأرض الفلسطينية، أحد الذين يملكون حق أن يرثوا كل تاريخ الإبداع والثقافة، التي جرت على هذه الأرض، ومنها التوراة".
ولم يغفل سميح القاسم استخدام التراث الديني اليهودي، ليكسبه بعداً عربياً فلسطينياً كما فعل محمود درويش، فقد استلهم بعض الرموز في قصيدته: "مزمور بقايا الفلسطينيين". [ديوان سميح القاسم – ص194] من هذه الرموز (مزمور)، (هللويا)، (صهيون)، (حائط المبكى)، (مزمير)، (أشعياء)، (إله الانتقام).
وقد عاد سميح القاسم إلى التاريخ القديم (يبوس)، وهو الاسم الأول لمدينة القدس الذي يرجع تاريخه إلى أربعة ألاف سنة أو يزيد فيكتب قصيدته:"أخذة الأميرة يبوس".
[سميح القاسم – أخذة الأميرة يبوس – إصدار دار النورس – القدس – 1990 – ص70، 74]
ومن الرموز التاريخية التي استلهما القاسم في هذه القصيدة: (أخذة)، (يبوس)، (إيل).
ويرى سميح القاسم أن يبوس هي من حق الفارس الكنعاني، إنها الوردة التي يجب أن تظل له بمباركة (إيل) القدوس.
وهذا معين بسيسو يستلهم رمز أورشليم، ليس باعتباره رمزاً قديماً للعرب، وإنما باعتباره رمزاً يهودياً معادياً للعرب؛ لذا يقسم الشاعر أن يغرس سيفاً من نار في عيني إله اليهود "إله أورشليم" الرمز الوحيد في القصيدة. [معين بسيسو – الأعمال الشعرية الكاملة – ص145]
ويشير عبد الوهاب البياتي إلى رمز أورشليم، على سبيل التشبيه؛ حيث شبه بابل بأسوارها وخطاياها، وعمارتها وعقمها بأورشليم، لما هناك من علاقة بينها وبين أورشليم، والذي يربط بينهما، وجود اليهود فيهما قبل السبي وبعده، والرموز التي جاءت في القصيدة هي: (بابل)، (أورشليم)، باعتبار الأخيرة يهودية وبؤرة للفساد. وردت هذه الرموز في قصيدته "الحمل الكاذب". [عبد الوهاب البياتي – الأعمال الشعرية الكاملة – المجلد الثاني ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – 1995 – ص 181]
وممن تناولوا الرموز اليهودية سعدي يوسف في قصيدته "عن تلك السحلية عن هذا الليل" [سعدي يوسف – الأعمال الشعرية الكاملة – مج2 – ص320]
ومن الرموز التي تناولها رمز (هللويا)، وقد استطاع أن يوظفه بعناية حين ربطه بالقدس، وألبسه الثوب العربي.
كما وردت بعض الرموز القديمة عند يوسف الخال في قصيدته "النهر". [يوسف الخال – الأعمال الشعرية الكاملة – دار العودة – بيروت – ط2 – 1979 – ص307]
وقد استلهمها من التاريخ القديم؛ حيث يتخذ المستقبل شكل الفارس المنتظر الذي يغني له ويتوجه إليه، وتأخذ القصيدة شكل صلاة حيناً، وشكل هذيان حيناً آخر، لكنه شحن رموزه بدلالات غير متناهية، ومن الرموز التي استوحاها الشاعر : (سدوم)، (أورشليم)، (أيوب) دون أن يلبسها أي ثوب.
لعل في هذه النماذج ما يكفي لبيان أهمية القدس في وجدان الشعراء العرب واليهود؛ إذ تطلعوا إلى القدس باعتبارها مدينة مقدسة تشتمل على كثير من أماكن العبادة للديانات الثلاث، وما لها من علاقة بالرسل والأنبياء والأماكن، والأحداث الدينية الهامة، يهودية ومسيحية وإسلامية.
كما ركزت معظم القصائد على بعض الرموز دون غيرها مثل عيسى، والصليب، والإسراء، وصلاح الدين، وحطين، لما تمثله من تحمل للظلم والعذاب والتضحية كما في عيسى والصليب، ولبيان أهمية القدس ومكانتها عند المسلمين كما في رمز الإسراء، والتطلع إلى البطل العربي المفتقد في عصرنا، كما في رمز صلاح الدين، بطل حطين، ومحرر القدس. وتعامل الشعراء مع التراث الديني اليهودي، وهو الأكثر عمقاً وتأثراً. إلى جانب استخدامه للقصص القرآني ذي الأصول المشتركة مع الديانات السماوية الأخرى، كما في الإشارة إلى قصة مريم، وعذابات الصليب إلى غير ذلك.

 

ثانياً: البعد القومي:

 

أحدثت قضية القدس انقلاباً سياسياً وفكرياً وأدبياً في عالمنا العربي، فنما الوعي القومي عند المواطن العربي، وشارك الشعراء القدس محنتها منذ بداياتها مدركين مكانتها الحضارية ووعيهم بأن نضالهم في سبيل تحريرها هو نضال من أجل تحرير الوطن العربي كله.
استطاع الشعراء أن يشحذوا الهمم ويضيئوا شعلة الأمل ويشعلوا شرارة المقاومة ويشيدوا بالعمليات النضالية الجريئة ضد الصهاينة الغزاة. كما مجدوا الأبطال ورثوا الشهداء وظلت قلوبهم معلقة بالقدس تهفوا إليها، مستلهمين كل ما له علاقة وثيقة بها، كالشخصيات والمعارك والمدن. وقد ندد الشعراء باللجان والهيئات والمنظمات الدولية، التي لم تنصف القدس في صراعها مع المحتل، كما هاجموا الصهاينة وحلفاءهم، ولم تسلم الرجعية العربية، ولا المتقاعسون العرب من الهجوم العنيف.
وقد نادى بعض الشعراء بالسلام القائم على الحق والعدل، وإقرار الحق العربي، وعودة القدس عاصمة لفلسطين، في حين أجمع الشعراء، على أن الكفاح المسلح هو الحل الذي لا بديل له في حل هذه القضية، في ظل التعنت الصهيوني والأمريكي.
ومن هنا كانت القدس محل اهتمام نفر كبير من الشعراء الذين رسموا صوراً لواقع المدينة تبرز جانب القداسة والطهارة حيناً، وتبين جوانب الحزن والألم التي تحياها القدس في ظل الاحتلال حيناً آخر، كما عرض الشعراء صوراً لمعاناة أهل القدس، وكانت بعض القصائد تعرض لنا تاريخ المدينة العريق وحاضرها المؤلم، لتكشف لنا عن عجز الواقع العربي الراهن، وتقصيره تجاه القدس التي تئن تحت وطأة الاحتلال.
وقد صورت بعض القصائد المكان؛ حيث لم يبدُ المكان ساكناً جامداً، بل تدب فيه الحياة والحركة، وقد اقترب الشعراء من القدس أكثر من أي وقت مضى بل إن القدس هي التي اقتربت من الشعراء لدرجة الالتصاق والتلاحم، ملونة بأصباغ من عواطفهم ورغباتهم، فنظروا إليها حلماً وهوية ووجوداً، ورمزاً، ومعادلاً موضوعياً، كما عرضوا مأساة القدس، وأضفوا عليها صفة القداسة ، والرمز العربي الذي ينبغي العمل من أجل استرجاعه.
لذا غدت الصور المستمدة من التراث القومي، لا تقل أهمية عن تلك المستمدة من التراث الديني لما بينها من علاقة، ولأهمية قضية القدس القومية.
ومن اللافت للنظر كثرة استخدام الشعراء لمواقع وشخصيات تاريخية وقومية هامة اكتسبت دلالات جديدة، وقد أصبحت هذه الشخصيات والمواقع رموزاً، لأهميتها في قضية القدس من ناحية، ولتكرارها من ناحية ثانية؛ كموقعة حطين، واليرموك، والكرامة.
ومن الشخصيات التي تكررت كثيراً عمر بن الخطاب، خالد بن الوليد، صلاح الدين، طارق بن زياد، المعتصم، الفدائي.
وإذا كان الأدب ينبع من الحياة، فإن الحياة تنبع من مشاعر محمود درويش، الذي تجاوز الواقع إلى الحلم المثقل بحب القدس، التي جعلته يتجاوز جراحه باستشفاف رموز تعطى القصيدة شكل صلاة حيناً، وشكل هذيان حيناً آخر؛ حيث تتداخل صوره، وتتشابك معانيه، فهذا المسيح يخرج من الجرح والريح، وحلم الصعود إلى القدس بعد طرد الغزاة، ومخاطبته وطن الأنبياء أن يتكامل، وتحديه الأعداء أن يمروا إلى صخرة القدس، وتأكيد ذلك التحدي، بأنهم لن يمروا حتى على جسده، وبذا يكتمل الحلم المشتعل بحب القدس، عندما تتوحد القدس وجسد الشاعر، في إرادة صلبة أقوى من الأعداء، هذا ما لمسناه في قصيدته "الأرض".
[محمود درويش – ديوانه – مج1- ص622]

 

وتحلق فدوى طوقان فوق جبال القدس، علها ترى الأهل هناك، وهم يقطفون الزيتون الذي أقسم الله به في القرآن، لما له من ارتباط بالقدس، فمن زيته تضاء قناديل القدس رمزاً النور والأمل الذي ينير الطريق أمام المجاهدين، حتى يتم النصر، وتحرير القدس، كما حررها صلاح الدين، هذه المشاعر الفياضة، وردت في قصيدة بعنوان "إليهم وراء القضبان".
 [فدوى طوقان – الأعمال الشعرية الكاملة – ص481] 

 

ولم يقف وجدان الشعراء نحو القدس عند الحلم والرمز الديني، بل تجاوزه ليصور القدس امرأة في صور مختلفة، عمقت الإحساس بالمدينة، والتغني بها روحاً وجسداً؛ حيث غدت القدس حبيبة ، وأماً، وعمة، وامرأة من حليب البلابل، وعذراء ، وسبيه، ورمزاً وروحاً يرى فيها عظمة الله ووحدة الوجود، كما رأينا في قصيدة محمود درويش "الأرض" [ديوان محمود درويش – مج1 – ص622]؛ حيث يتوحد جسده بجسد الأرض.
من هنا نجدها تتخذ أشكالاً متنوعة كأشكال المادة والطبيعة والأشياء، فالحبيبة مثلاً لا معنى لها بدون الوطن، والوطن بغير الحبيبة ناقص.
ويصور محمد العدناني القدس حبيبة يحوم قلبه حولها تغار من اسمها الورود والزهور، فهي الفجر الذي ينير ظلمة نفسه كما يفض الضياء ظلام الليل . [محمد العدناني – ديوان اللهيب – ص 149] جاء ذلك في قصيدة  "منابر الشهداء".
ويقوم أمين شنار في شكل حوار بين أم وابنها – القدس أماً – يودها ويحبها، يعود إليها بعد طول غياب فتفرح بعودته وتسأله عن حاله وصحبه، صور ذلك في قصيدته "بيت المقدس" [أمين شنار، قصيدة بيت المقدس – مجلة الأفق الجديد السنة الأولى – العدد السابع – لسنة 1962- ص15]
وهذا محمد جميل شلش يصور القدس أما يناديها، يعدها بالعودة، بلقياها غداً مع الفجر مع الصباح، مهما كلفه ذلك من تضحيات، ورد ذلك في قصيدة "أغنية العائدين" .
[ديوان محمد جميل شلش – ص136]

 

وهذا أحمد المجاطي يخاطب القدس باعتبارها (عمة), ولا يخفى ما تحمله هذه الكلمة من شحنة عاطفية، فالعمة عند العرب هي أخت الأب لها من التوقير والاحترام ما للأب والأجداد، إضافة لما تحتاجه من الحب والرعاية والحماية باعتبارها وقورة، فالشاعر في قصيدته والتي بعنوان "القدس" [أحمد المخاطي – ديوان الفروسية – ص55] يطرح فكرتين تنبثق الثانية من الأولى، وإن كانتا على طرفي نقيض. نلمح ذلك من خيبة أمله بالواقع العربي عندما يصور القدس، وهي تدفن الثورة والتمرد، وتشرب من قبور الشهداء، فتظمأ الأجيال، ثم تحول هذا الظمأ إلى شهوة الموت، ورفض الحياة اللذين يوحيان بالأمل ببزوغ فجر جديد.
وتقترب القدس من وجدان فدوى طوقان، أكثر، فتصورها وحيدة منكمشة على نفسها من شدة الخوف، الأسى يهطل، وليلها صامت قاتم، ودقات النعال الدموية فوق جسدها، تبدو كعذراء سبية فقدت حبيبها، تلك الصورة التي رسمتها الشاعرة في قصيدتها :"إلى الوجه الذي ضاع في التيه". [فدوى طوقان – الأعمال الشعرية الكاملة – ص 413]
كما صورت الشاعرة القدس العذراء السبية عروساً تلبس ثوب حداد أسود، فلا تقرع أجراس الكنائس، ولا تضاء الشموع، بل تجلد القدس تحت صليب المحنة حتى تنزف دماً، أمام مرأى ومسمع من الدنيا، والعالم المتحضر الحر. لا سمع ولا بصر لديه ولا فم، فلم تجد فدوى طوقان سوى السيد المسيح تخاطبه في عيده، الذي انتهكته الطائرات "الإسرائيلية"، بقصف المدينة في ليلة عيد الميلاد، ورد ذلك في قصيدة "إلى السيد المسيح في عيده". [فدوى طوقان – الأعمال الشعرية الكاملة – ص385] ويرى نزار أن هول المأساة لا يحتمل، لذا يرسم القدس امرأة بلا شفاه، كي لا تختنق الصلوات في فمها بعد أن ذبحتها سكاكين الكلمات صور ذلك في قصيدة بعنوان "حوار مع عربي أضاع فرسه".  [نزار قباني – الأعمال السياسية الكاملة – مج3 – ص226] .
وها هي القدس امرأة تغوص في دمها بعد أن باعها بعض أبنائها المنشغلين عنها بالجري وراء شهواتهم، وكأن مأساة القدس لا تعنيهم، وذلك ما صوره نزار قباني في قصيدته "الحب والبترول" [السابق، ص 67]
وثمة ظاهرة في غاية الأهمية، نلحظها في تصوير الشعراء للقدس، تلك الصور التي استمدوها من طبيعة القدس، وهي الاهتمام بالألوان مما جعل لها دوراً في التعبير الشعري فعناصر الصورة الداخلية بما يدخل في تكوينها من ألوان، تعكس موقف الشاعر وحالته وخياله وقدرته على التفاعل معها.
ومن قديم اتخذت الأمم أعلاماً ملونة تدل عليها أو على جماعات، أو فرق منها وحتى الآن. فاللون الأصفر يدل على الخريف والحزن والموت والقحط والبؤس والذبول والألم والشحوب والانقباض والأحمر يشير إلى الشهوة والنشوة والثورة والتمرد والحركة والحياة والغضب والانتقام والقسوة. والأبيض يرمز إلى الصفاء والغبطة والنقاء والطهر والعفاف والسلم. والأسود عكس الأبيض يوحى بالحزن والخطيئة والظلام والقساوة والصلادة. والأخضر عنوان انبثاق الحياة والصحة، يرمز إلى الكون والطبيعة والربيع والمرح والسرور والشباب. [د. يوسف نوفل – الصورة الشعرية والرمز اللون – 1995 – ص13]
هذه دلالة الألوان المباشرة، وهي لا تعنينا بقدر ما تعنينا الدلالة الإيحائية لها وبالطبع فإن هذه الدلالات تختلف باختلاف الزمان والمكان والحالة النفسية للشخص نفسه، ومن الألوان التي استقاها الشعراء من طبيعة القدس ما ورد في قول الشاعرة سلافة حجاوي:
بعيد أنت يا وطني
كأني في المدى غيمة
مضت في الريح نحو الغرب
سأبحث عنك في التفاح
في الرمان
في الكرمة
وعند رحيق زنبقة
إذا ما فاح في الظلمة
[سلافة حجاوي – ديوان أغنيات فلسطينية – ص44]

فمن الألفاظ الدالة على الطبيعة التي وردت في النص: ( غيمة – الريح – الغرب – العتمة – التفاح – الرمان – الكرمة – رحيق زنبقة – الظلمة).
 وإذا عدنا نستشف الألوان من تلك الألفاظ فتأخذ الأبيض من (غيمة، وزنبقة)، والأسود من (العتمة، والظلمة)، والأحمر من (التفاح، والرمان)، والأخضر من (الكرمة) وهو شجر العنب وبعض الأشجار الأخرى.
ولو رتبنا هذه الألوان الأربعة نجدها تشكل ألوان العلم الفلسطيني المكون من الأحمر والأسود والأبيض والأخضر.
والشيء نفسه نجده عند محمود درويش في قصيدته "الأرض" [محمود درويش- ديوانه – ص622] الذي يتوحد مع الأرض حتى يصبح جسده هو الأرض، والأرض هي جسد الشاعر يقول:
وهذا خروج المسيح من الجرح والريح
أخضر مثل النبات يغطي مساميره وقيودي
خمس بنات يخبئن حقلاً من القمح تحت الضفيرة
فاشتبكي يا نباتات، واشتركي في انتفاضة جسمي، وعودة
حلمي إلى جسدي
فكل شعاب الجبال امتداد لهذا النشيد
وكل الأناشيد فيك امتداد لزيتونة زاملتني
أيها الذاهبون إلى صخرة القدس مروا على جسدي
أيها العابرون على جسدي
لن تمروا ... أنا الأرض في جسد .. لن تمروا!

فالألفاظ الدالة على طبيعة القدس التي أوردها الشاعر في قصيدته هي:"الجرح والريح، أخضر مثل النبات، خمس بنات يخبئن حقلاً من القمح تحت الضفيرة – نباتات – زيتونة – صخرة القدس".
ومن الألفاظ السابقة يمكن أن نستخرج الألوان التالية : اللون الأحمر من (الجرح) والأخضر من (النبات، وزيتونة) والأبيض من لون (بنات القدس الشهيرات بالبياض الناصع) واللون الأسود من (الضفيرة) وهو شعر الفتيات الأسود.
وإذا أخذنا هذه الألوان الأربعة، فهي تشكل العلم الفلسطيني الذي لا يغيب عن ذاكرة الشاعر محمود درويش.
ولم يقتصر استخدام الألوان المعبرة عن طبيعة القدس – والتي تشكل ألوان العلم الفلسطيني – على شعراء وشاعرات فلسطين، بل نجدها عند شاعر من بلاد الرافدين، وهو محمد جميل شلش الذي يكثر من استخدام الألوان في قصيدته: "أغنية العائدين"
[محمد جميل شلش- ديوانه – ص136]
إذ يقول :
عنياك والمصباح، والفجر المخضب، والقنابل ومجازر الدم والحديد، ولون قريتنا الكئيب، وخيال فخر الدين عبر حقولنا، عبر المنازل بشجيرة الزيتون – يا لصديقنا – مثل المسيح، وأبي وإخواني، وأشلاء النساء.
حمرا تخضبها الدماء
سأظل أحلم "يا فاء" بمقلتيك وبالليالي
وعرائش الكرم الندية، والخمائل والزهور
 أفديك بالدم يا بلادي
يا غابة الزيتون، يا أرض البطولة والجهاد، سأحطم الغلَّ الثقيل وانتحى صوب الضباب، صوب المآذن والقباب، سنعود والفجر المخضب بالدماء
مع الصباح غداً نعود
صورة قاتمة بها بصيص أمل يرسمها الشاعر لطبيعة القدس التي تختلط فيها ألوان الفجر والحقول والزيتون، وعرائش الكرم الندية والخمائل والزهور والضباب بلون الدماء وكآبة الاحتلال. فمن الألفاظ المستوحاة من الطبيعة : ( المصباح – الفجر المخضب – القنابل مجازر الدم والحديد – لون قريتنا الكئيب – حقول – بشجيرة الزيتون – الدماء الليالي -عرائش الكرم الندية – الخمائل – الزهور – الضباب – المصباح) ومنها نستطيع أن نستشف الألوان التالية: اللون الأحمر من (المخضب – الدم – حمراً – الدماء) والأسود من (الليالي)، والأبيض من (الفجر، والمصباح والضباب) والأخضر من (الزيتون)، وإذا أخذنا أربعة الألوان السابقة وهي الأحمر والأسود والأبيض والأخضر فهي تشكل علم فلسطين الذي لا ينفصل عن إحساس الشعراء الذين احتلت القدس من وجدانهم الكثير.
ثالثاً: البعد الإنساني:
إن إنسانية الأدب ( الإنسان) لا يمكن أن تعني التحلل من أواصر الوطن، ومن وشائج الأرض والمجتمع "ويخطئ من يظن أنه ليس في وسع الأدب السمو إلى أفق الإنسانية إلا بالابتعاد عن اللون المحلي أو القومي، وربما كان العكس هو الصواب، أي أن كثيراً ما كان الأدب أصدق إنسانية إذا كان أصدق قومية، ذلك أن الابتعاد المصطنع عن القضايا القومية والألوان المحلية يخرج الأدب عن نزاهته وصدقه ... إن النزعة الإنسانية المصطنعة ربما أبعدت الإنسان عن وطنه، أما النزعة الإنسانية الأصلية فهي التي تربطه بوطنه ربطاً لا انفصام له، وعلى هذا فالدعوة إلى الاستقلال والمطالبة بالحرية ومكافحة، الاستبداد، أهداف قدستها الشعوب، وباركت من بشروا بها، وقد كان لها في الأغلب وجهان: قومي وإنساني معاً وإن من الأعمال الأدبية الحديثة، التي استلهمت من وحي القومية ما يحمل في طياته بذور الخلود، والإنسانية، ويمكنه أن يتعدى الحدود ليجد فيه كل شعب طريقه إلى الحرية، مرآة لنفسه وإن أدباً كهذا، دائم الاتصال بالقيم البشرية لا شك أنه جدير بالحياة".
[د. أحمد الطرابلسي: من محاضرة (الأدب العربي بين الأدب القومي والأدب الإنساني) نشرت في مجموعة دار الكتب الوطنية بحلب عام 1952 – ص183]
أ‌- القدس والأعلام التراثية:
وقد شاع استعمال الأعلام التراثية التي لها علاقة بالقدس لدى الشعراء الذين احتلت القدس مكاناً خاصاً في وجدانهم، وهي أسماء استوحاها الشعراء من التراث الإنساني بصفة عامة، ومن التراث العربي بصفة خاصة، ثم وظفوها توظيفاً فنياً في خطابهم الشعري.
1- أسماء الأنبياء والرسل والصالحين والقادة وغيرهم.
وهي دلالات دارت دوراناً واسعاً في الشعر الذي قيل في القدس، وتباينت دلالتها، وتكرارها من اسم لآخر، وقد تغيرت دلالة بعضها من خلال السياق، واكتسب بعضها دلالات جديدة.
جبريل: ورد في معرض الحديث عن الإسراء والمعراج، وجاء لبيان أهمية الحادثة بما فيها القدس.
آدم: جاء هذا الاسم في معرض الحديث عن الإسراء والمعراج، لبيان مكانة نبي المسلمين محمد عليه السلام حين صلى بالأنبياء، ومن بنيهم آدم عليه السلام.
إبراهيم: وهو نبي الله خليل الرحمن، وقد ورد ذكره في معرض ذكر مكانة القدس الدينية.
موسى: نبي بني إسرائيل، وكان يحلم بالدخول إلى الأرض المقدسة.
أشعياء: اسم نبي من أنبياء بني إسرائيل.
أيوب:  اسم نبي من أنبياء إسرائيل.
داود: وهو رمز للقدس التي فتحها نبي الله دواد.
سليمان الحكيم: رمز العدل، والحاكم العادل للقدس.
"هيكل إسرائيل": رمز للقدس والوجود الصهيوني بها.
سالومي: وهي رمز للمرأة اليهودية الماجنة التي تستحضر أساليب اليهود في استخدام كل سلاح لبلوغ هدفهم، فهم تجار لا يتورعون عن بيع أو شراء أي شيء ولو كان العرض والشرف، كما أنها رمز المؤامرات التي يحكيها الصهاينة مع الغرب ضد العرب.
مريم: مريم رمز الطهارة، رمز للقدس وللظلم الذي وقع على كل منهما.
عيسى المسيح: رمز للقدس والفلسطيني الذي يعاني ظلم اليهود.
محمد: صلى الله عليه وسلم لم يتردد كثيراً وإن ترددت حادثة الإسراء والمعراج التي تشير إلى النبي بصورة غير مباشرة.
عمر الفاروق: رمز لفاتح القدس ومحقق العدالة وحرية العبادة فيها.
صلاح الدين: فاتح القدس ومحررها من الصليبيين بعد طول احتلال، وهو رمز القائد المسلم الذي صنع المستحيل بإعادته القدس إلى حظيرة العروبة والإسلام.
كهانا: الحقد الصهيوني، فهو الذي أحرق المسجد الأقصى ، فهو رمز الشر والتخريب في نظر العرب والمسلمين، في حين أنه رمز البطولة والفداء في نظر الصهاينة.
روما: رمز العدوان الصليبي على القدس والأمة العربية.
الحرم: يستحضر التراث الإسلامي في مكة والمدينة والقدس.
حطين: تردد كثيراً، لما له في النفس العربية والإسلامية من إشراق، لارتباطه بالقدس وبصلاح الدين، فهو اسم المعركة التي حسمت الصراع مع أعداء القدس من الصليبيين.
الأندلس: وهو رمز لتلك المرحلة العصيبة من حياة العرب، لما هناك من علاقة انحطاط وتراجع في الواقع العربي.
فلسطين: وهي أم القدس الحزينة التي ارتبط اسمها بكل معاني النكبة والظلم والتشرد.
بيسان: مدينة على الحدود الشرقية الشمالية لفلسطين شهدت معركة حطين قديماً كما شهدت عمليات فدائية هزت الكيان الصهيوني، وهي تستحضر أجمل الذكريات وترمز للمقاومة والبطولة والنصر.
مند لبوم: اسم بوابة تربط بين شطري القدس بعد نكبة 1948، وحتى سنة 1967، إبان تقسيم مدينة القدس، وهي تستحضر سنوات عصيبة من تاريخ المدينة المقدسة.
ب. أسماء القدس ومقدساتها وأهم المعالم الهامة بها:
إن تعدد الأسماء – كما يقال – لدلالة على شرف المسمى وأهميته.
وهذه أسماء القدس وأوصافها ومقدساتها وأهم المعالم الهامة بها التي أثرت وتأثرت بالقدس، أسوقها مرتبة على حروف المعجم.
ابتسامة عيسى، أحجار السور، أرض الخيال، أرض السلام، أرض القداسات، أرض الهنات الإسراء، أسوار القدس، الأقصى، أقصى القدس، أورشليم، البراق، البراق الجريح، البلدة القديمة، بوابة المسرى، بيت المقدس، تبغ الصاحبيين، تراث الأوائل، تراث الجنان، التين والزيتون، ثاني الحرمين، حرم المسيح، حمى المهد، دار الجهاد، ديار السلام، رؤى عيسى، ربوع القدس، روابي القدس، ساحة المسرى العظيم، سر القداسات، الصخرة، الصخرة الضائعة، صخرة القدس، صخرة المعراج، صخرته، ظل الحرم، عذراكم، قبر المسيح، القبلة الأولى، قبلة المشرقين، القدس، القدس الشريف، قدس الشعب، القدس العتيقة، القدس القديمة، كعبتنا الأولى، كعبة النور، كنيسة المهد، كنيسة الميلاد، الكنيسة والمسجد، لؤلؤة الإيمان، مأزر الدين، متاع النبوة، مجلى السنا، مدينة الأقداس، مدينة السلام، المدينة القدسية، مدينة المآذن والأجراس، مدينة النحاس، مراد أمه العذراء، مرتقى المصطفى، مرتقى النبي للسماء، مرقى الرسول للديان، المسجد الأقصى، المسجد الحزين، مسرى أحمد، مسرى البراق، مسرى النبي، مشعل الوحي، معبر الإسراء، معراج الرسول، مفرق الشمس، ملتقى البراق، المنبر الحر، المنبر الداوي، مهبط الوحي، مهد الإسراء، مهد عيسى، موئل النبوات، موطن الإسراء، موطن الأقصى، موطن المهد، ميراث خير نبي، ميلاد عيسى، هدى موسى، هيكل العذراء، وطن الأنبياء، وطن الشهداء، وطن الضائعين، وطن المسيح.
مما سبق يتضح لنا ما يلي:
احتلت القدس في وجدان شعرائها منزلة لم تحتلها مدينة من قبل، وذلك من خلال تعدد الدوال لمدلول واحد، وهو القدس؛ إذ بلغت قرابة مائة اسم  تكررت أكثر من أربعمائة مرة، حظي اسم (القدس) من هذه الأسماء بنصيب الأسد إذ تكرر أكثر من مائتي وستين مرة أي بنسبة 60% يليه اسم (المسجد الأقصى) الذي تكرر أكثر من ثلاثين مرة أي بنسبة بلغت 8% تقريباً، ثم جاء اسم (أورشليم) في الترتيب الثالث، إذ بلغ سبع عشرة مرة أي بنسبة بلغت 4% تقريباً، وأتى في المرتبة الرابعة اسم (المسرى) الذي تكرر ست مرات أي بنسبة بلغت 1.5% تقريباً، وأخيراً جاء اسم (مهد عيسى) في المرتبة الخامسة إذ تكرر أربع مرات، فبلغت نسبته 1% تقريباً.
ثم تكررت بعض الأسماء مرتين في حين وردت معظم الأسماء المتبقية مرة واحدة.
وإذا تأملنا الأسماء الخاصة بالقدس، والتي جاءت أوصافاً وأسماء مجردة عن أية ديانة معينة نجد أنها بلغت ثمانين ومائيتي اسم أي قرابة 70% من إجمالي تكرار الأسماء كلها، أما الأسماء ذات الصبغة الإسلامية فبلغت قرابة تسعين اسماً أي بنسبة قدرها 22% تقريباً، في حين بلغت الأسماء ذات الصبغة المسيحية قرابة العشرين اسماً أي بنسبة 5% تقريباً، ثم جاءت الأسماء ذات الصبغة اليهودية ؛ إذ تكررت ست عشرة مرة، أي بنسبة 4% تقريباً.
غير أن هذه النسب على اختلافها، تشير إلى روح التسامح الديني التي تسيطر على الشعراء العرب مسلمين كانوا أم مسيحيين.
خاتمة:
1- إن عدداً كبيراً من شعراء العروبة قد شغلتهم القدس وكانوا من السباقين في التفاعل مع قضيتها، والمشاركة في مآسيها.
2- كانت  الأشعار التي قيلت في القدس نابعة من مشاركة عاطفية وفكرية معاً.
3- استخدم الشعراء والأدباء التراث الإنساني في رموزهم بما فيه التراث اليهودي.
4- حملت الصورة التي شكلها الشعراء والأدباء في القدس قيماً جديدة تتناسب ومكانة القدس وتساير الجو الانفعالي الذي سيطر على الشعراء والأدباء وتعلقهم بالقدس.

وأخيراً، إن حبي لوطني لم ينقص من حبي لإنسانيتي. فلم أرد من خلال هذه الدراسة التجني على القيم الإنسانية الصحيحة لكتاب المقدس، أو التعرض لليهود كبشر وأصحاب ديانة، وإنما أردت أن أوضح جرائم الصهيونية التي أقامت كيانها على حساب عذابات سكان البلاد الأصليين من العرب المسالمين، علماً بأننا نقدر جهود اليهود الطيبين المؤمنين بالقيم الإنسانية، وبحق العرب التاريخي في القدس، والساعين إلى صنع السلام القائم على العدل، فما أحوج الإنسانية اليوم إلى توسيع دوائر الأخوة العالمية، والتصدي إلى مخاطر التعصب العرقي والديني، وكل ما يهدد أمن الإنسان في كل مكان.
أهم المصادر والمراجع:
1- القرآن الكريم – الكتاب المقدس.
2- أحمد المجاطي – ديوانه الفروسية – منشورات المجلس القومي للثقافة العربية – الرباط – ص1 – 1987م.
3- أحمد عبد المعطي حجازي – ديوانه – دار العودة – بيروت – 1973م.
4- أدونيس – الأعمال الشعرية الكاملة – مج2- دار العودة – بيروت – ط5- 1988م.
5- إلياس خوري – عالم الدلالات في الشعر الفلسطيني – مجلة شئون فلسطينية – العددان 14, 42 – 1975م.
6- أمجد الطرابلسي – من محاضرة (الأدب العربي بين الأدب القومي والأدب الإنساني) نشرت في مجموعة دار الكتب الوطنية – بحلب – 1952م.
7- أمين شنار – قصيدة بيت المقدس – مجلة الأفق الجديد – السنة الأولى – العدد السابع  – 1962.
8- أنور شاؤول – ديوانه – وبزغ فجر جديد – رابطة الجامعيين اليهود النازحين في إسرائيل – القدس – 1978م.
9- إيليا أبو ماضي – ديوان أبى ماضي – دار العودة – بيروت – 1982م.
10- بدوي الجبل (محمد سليمان الأحمد)  - ديوان بدوي الجبل – دار العودة – بيروت – ط1- 1978م.
11- جوزيف عيد – الصلاة في أغاني فيروز – بيروت – 1974م.
12- حسن القرشي – الأعمال الشعرية الكاملة – مج3 – دار العودة – بيروت – ط3- 1983م.
13- خالد سليمان – فلسطين في الشعر العربي الحديث – دار قنبر للطباعة – لندن – 1983م.
14- خليل حاوي – ديوان خليل حاوي – دار العودة بيروت – 1993م.
15- رفقة أهارون – باقة أقحوان على أجنحة حمائم أورشليم.
16- زاهر الألمعي – ديوان على درب الجهاد – مطابع الفرزدق التجارية – الرياض – ط3 – 1403هـ.
17- سلافة حجازي – ديوان أغنيات فلسطينية – دار الحرية للطباعة – بغداد –ط2- 1988م.
18- سميح القاسم – أخذة الأميرة يبوس – دار النورس – القدس – 1990.
19- عبد الوهاب البياتي – الأعمال الشعرية الكاملة – مج2- المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – 1995م.
20- عدنان النحوي – ديوان مواكب النور – منشورات الفرزدق التجارية – الرياض – ط8 – 1985م.
21- عمر أبو ريشة – ديوان عمر أبو ريشة – ج1- دار العودة – بيروت – ط1- 1971م.
22- فدوى طوقان – الأعمال الشعرية الكاملة – دار العودة – بيروت – ط1- 1971م.
23- كامل السوافيري – الشعر العربي الحديث في مأساة فلسطين – مطبعة نهضة مصر – القاهرة – 1963م.
24- كمال ناصر – ديوانه – ط1 – 1974م – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت.
25- محمد إبراهيم حور – فلسطين في الشعر المعاصر بمنطقة الخليج العربي – الإمارات – دبي – 1984م.
26- محمد العدناني – ديوان اللهيب – بيروت – 1954م.
27- محمد الفيتوري – ديوان محمد الفيتوري – مج2 – دار العودة – بيروت – ط3- 1979م.
28- محمد بن على السنوسي – الأعمال الشعرية الكاملة – ديوان الأزاهير – جدة – ط2- 1403هـ/1983م.
29- محمد بنيس – مواسم الشرق – دار الشئون الثقافية العامة – آفاق عربية – بغداد – ط2- 1986م.
30- محمد جميل شلش – ديوان محمد جميل شلش – دار العودة – بيروت – ط1- 1978م.
31- محمد مصطفى حمام – ديوان حمام – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – 1974م.
32- محمود الروسان – ديوان على درب الكفاح – مطبعة دار الأيتام – القدس – 1965م.
33- محمود درويش – مديح الظل العالي – مج1، مج2 – دار العودة – بيروت – ط12 – 1987م.
34- معين بسيسو – الأعمال الشعرية الكاملة – دار العودة – بيروت – ط3- 1987م.
35- مهرجان – الشعر التاسع – بغداد – 1969- المجلس الأعلى للفنون والآداب – القاهرة – 1969م.
36- نزار قباني – الأعمال السياسية الكاملة – مج3- منشورات نزار قباني – بيروت – ط5 – 1993م.
37- نعومي شامير – غناء نتان شولي – ترجمها إلى العربية سليم أبو عمرة.
38- هارون هاشم الرشيد – الأعمال الشعرية الكاملة – دار العودة – بيروت – 1981م.
39- يوسف الخال – الأعمال الشعرية الكاملة – دار العودة – بيروت – ط2- 1979م.
40- يوسف نوفل – الصورة الشعرية والرمز اللوني – دار المعارف – 1995م.


 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

تأجيل المداولات حول القدس خطوة عديمة المنطق سياسياً

التالي

خطبة تحرير بيت المقدس

مقالات متعلّقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »