ثغرات في جدار القدس

تاريخ الإضافة الجمعة 8 تموز 2016 - 3:24 م    عدد الزيارات 5719    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

بدأت دولة الاحتلال عام 2002 بناء الجدار العازل في الضفة الغربية بما فيها شرق القدس، حيث استندت السلطات الإسرائيلية إلى العمليات التي نفّذها فلسطينيون على وقع انتفاضة الأقصى لتشكيل رأي داعم لبناء الجدار بعدما كان المستوى السياسي ينفر من تطبيق الفكرة بسبب محاذير تنفيذها على الرغم من طرحها قبل سنوات الـ2000. وفي عام 2004 صدر الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الخاص بالجدار والذي قال بعدم شرعية الجدار المبني بمعظمه على الأراضي المحتلة عام 1967، ونتيجة ذلك حدّد التزامات "إسرائيل" وأبرزها وقف بناء الجدار، وهدم المقاطع التي تمّ بناؤها، وتعويض الفلسطينيين عن الأضرار التي ألحقها بهم.
لم تكترث دولة الاحتلال لما جاء في الرأي الاستشاري وحاولت تغطية جريمتها الجديدة بقرارات من المحكمة الإسرائيلية تقدم الجدار على أنّه حل قانوني يستند إلى "حقها" في الدفاع عن أمن مستوطنيها في وجه المقاومة الفلسطينية الساعية إلى إنهاء الاحتلال الذي يحاول أن يتمدد في كل فلسطين التاريخية. أما السلطة الفلسطينية فلم تتحرك لنقل ما ورد في الرأي الاستشاري إلى مربع التنفيذ فيما الأطراف الثالثة التي بيّن الرأي الاستشاري ضرورة أن تعمل على إلزام "إسرائيل" بتنفيذ موجباتها بخصوص الجدار فهي أيضًا لا تبدو معنية بذلك، بل إنّ دولة الاحتلال انتخبت مؤخرًا لرئاسة اللجنة القانونية في الجمعية العامة للأمم المتحدة بعدما صوت لها 109 من أعضاء الجمعية، وهم عمليًا من الأطراف الثالثة التي أشار إليها رأي المحكمة في فتواها من دون أن يتحرك أي من هذه الدول باتجاه إلزام "إسرائيل" على احترام واجباتها التي تخرق اتفاقية جنيف الرابعة ولائحة تطول من أحكام القانون الدولي وإلزاماته.
لقد صادرت "إسرائيل" بهدف بناء الجدار مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، وسرقت الأراضي الزراعية ومنعت أصحابها الفلسطينيين من الوصول إليها، وكان للجدار آثار كارثية على المقدسيين حيث أدى مع نظام البوابات والحواجز المرافق له إلى رفع نسبة الفقر في أوساطهم بعدما عزلهم عن باقي مناطق الضفة الغربية وشلّ الحياة التجارية والسياحية في شرق القدس. أمّا الأحياء المقدسية الواقعة خارج الجدار والتابعة إداريًا لبلدية الاحتلال في القدس فتأثرت إلى حد بعيد بالجدار الذي عزلها عن مركز المدينة، وسهّل على سلطات الاحتلال التنصّل من التزاماتها حيالها كما هي محدّدة بموجب القانون الدولي. كما أثّر الجدار في إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية في شرق القدس بعدما كانت مستشفياتها مقصدًا للفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة؛ وهو الأمر الذي انعكس على إمكانية الوصول إلى العلاج وكذلك على الوضع المادي للمستشفيات التي واجه بعضها صعوبات مادية كان الجدار أحد أهم أسبابها. وكما في قطاع الصحة، كذلك في التعليم حيث بات على الطلاب والمعلمين ممن يقيمون خارج الجدار العازل سلوك طرقات أطول للوصول إلى مدارسهم بسبب تعرّجات الجدار والتفافه حول الأحياء المقدسيّة، أو الانتظار على الحواجز، لا سيما في أوقات الذروة، مما أجبر بعض الطلاب إلى تغيير مدارسهم أو ترك المدرسة نهائيًا. وبالإضافة إلى ذلك، أثّر الجدار في إمكانية الوصول إلى الأماكن المقدسة في شرق القدس، سواء بالنّسبة إلى المسلمين أو المسيحيين، حيث تمنع سلطات الاحتلال إعطاء التراخيص لاجتياز الحواجز والوصول إلى المسجد الأقصى أو إلى كنيسة القيامة وغيرهما من أماكن العبادة في شرق القدس.
وليست هذه كل الصورة بل هي بعض من الآثار التي سببها بناء الجدار، من دون أن يعني ذلك أن حياة الفلسطينيين عمومًا والمقدسيين خصوصًا كانت لتكون أفضل من دون الجدار طالما أنّ الاحتلال قائم ومستمر. وتمكن نشطاء فلسطينيون عبر السنوات الماضية من إحداث ثغرات في جدار القدس، لا سيما في منطقة أبو ديس، لتأكيد حقهم في الوصول إلى القدس من دون أن يكون ذلك بإذن الاحتلال وتصريحه. وكان الاحتلال يعتدي عليهم ويغلق الثغرة ليعيدوا فتحها مرة أخرى.
ومنذ اندلاع انتفاضة القدس عام 2015، تمكن عدد من الفلسطينيين من تنفيذ عمليات في القدس بعدما وصلوا إليها من الأراضي المحتلة الواقعة خارج الجدار، أي أنهم تمكنوا من تجاوز الحواجز ونقاط التفتيش والإجراءات الأمنية التي رفع الاحتلال درجتها بعد الانتفاضة. وكان من بين تلك العمليات العملية التي نفّدها في القدس في 3/2/2016 ثلاثة شبان من قباطية جنوب جنين بالضفة الغربية المحتلة، وكذلك العملية التي نفذها في "تل أبيب" شابان من الخليل في 8/6/2016 حيث تمكّنا من تخطي الإجراءات الأمنية وتنفيذ العملية في العمق الإسرائيلي. وبذلك تبين أنّ الدور الأمني الذي أرادته "إسرائيل" للجدار لن يكتمل أو يتحقّق، وستظل مقاومة الاحتلال أولوية بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين ستتهاوى أمام إصرارهم كلّ الجدر التي بناها الاحتلال. 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

مقابر القدس الإسلامية.. الضحية المنسية للتهويد..

التالي

أيها الباطل... لن تستكين في القدس

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

السالكون في طريق الشهادة

الخميس 13 كانون الأول 2018 - 4:45 م

هناك على هذه الأرض المباركة تشتعل معركةٌ من نوع آخر، معركة صبرٍ وثبات وعقيدة، معركة تشكل إرادة المواجهة عنوانها الأسمى والأمثل. فكسر القواعد المفروضة وتغيير الواقع المفروض عليهم، هي أبرز التجليات لأفع… تتمة »

براءة درزي

أشرف الموت قتل الشهادة!

الخميس 13 كانون الأول 2018 - 1:40 م

استشهد المطارد أشرف نعالوة الليلة الماضية في اشتباك مع قوات الاحتلال في مخيم عسكر الجديد شرق نابلس. استشهاد نعالوة يأتي بعد 65 يومًا من مطاردته وملاحقته من قبل قوات الاحتلال التي سخّرت عتادها وعديدها … تتمة »