الأردن والوصاية على المقدسات الإسلاميّة.. هل يقوم بالتخلي عنها تدريجيًا؟

تاريخ الإضافة الخميس 3 آب 2017 - 2:56 م    عدد الزيارات 4874    التعليقات 0     القسم مقالات

        


علي ابراهيم

باحث وكاتب

تعتبر الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلاميّة في القدس، واحدةً من أهم أوراق القوة التي تتمتع بها المملكة الأردنيّة الهاشميّة، وتعني الوصاية على المقدسات بأن المسجد الأقصى المبارك والأوقاف التابعة له في مدينة القدس، إضافةً لمجمل الأوقاف الإسلامية في بيت المقدس تعدّ تابعة للأردن، خاصة بعد الحكم الأردني المباشر لمدينة القدس بعد حرب 1948، واحتلال «إسرائيل» الشطر الغربي من المدينة. وبقيت القدس تحت السيادة الأردنية المباشرة حتى احتلال الشطر الشرقي من المدينة الذي يتبع الأردن في يونيو (حزيران) 1967، وبعد احتلال المدينة بقيت وصاية الأردن على المقدسات قائمة، كون الجهة القائمة بالاحتلال لا تلغي الوصاية السابقة، وتم تأكيد الوصاية بعد توقيع اتفاقية وادي عربة في 1994، حيث تضمنت الاتفاقية بين الجانبين الإسرائيلي والأردني بندًا حول دور الأردن في المقدسات الإسلاميّة وهو:

«وبهذا الخصوص وبما يتماشى مع إعلان واشنطن، تحترم إسرائيل الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستولي إسرائيل أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن».

وعليه يتولى الأردن مسؤولية رعاية المسجد الأقصى المبارك وباقي الأوقاف الإسلاميّة في القدس، كما يتحمل على عاتقه مسؤولية حماية هذه الأماكن المقدسة، في وجه أي اعتداء ممكن، وبالذات خلال هذه المرحلة من احتلال المدينة.

منذ عام 1967 والقدس مستباحة من قبل الاحتلال، ابتداءً من هدم حارة الغاربة والاستيلاء على حائط البراق، الذي يشكل جزءًا لا يتجزأ من المسجد الأقصى، وصولًا للواقع الحالي حيث يعمل الاحتلال على فرض إجراءات جديدة على أبواب الأقصى، ويحاول إحداث تغيير جديد في «الوضع القائم»، يصب في إطار تثبيت سيادة مزعومة على المسجد الأقصى. أمام هذا الواقع وانطلاقًا من الدور الكبير المنوط بالأردن باعتباره حاميًا للمقدسات ووصيًّا عليها، نشهد تراجعًا مضطردًا لهذا الدور خلال المرحلة الأخيرة، وإضافةً لإمعان الاحتلال في اعتداءاته على القدس والمسجد الأقصى، نجد أن الأعوام الثلاثة الأخيرة تشكل الإطار الأبرز لتراجع دور الأردن عن مسؤولياته في الأقصى، وهذا التراجع يتجلى في ثلاثة أنساقٍ أساسية:

 

–   الأول: ضعف الموقف الأردني في مواجهة اعتداءات الاحتلال، واستمرار الأخير في اقتحام المسجد الأقصى، وفرض وجود يهودي دائم في المسجد، وما يتصل به من حفريات أسفل وفي محيط الأقصى، والسياسات التهويديّة الأخرى.

–   الثاني: الاتفاق الأردني الإسرائيلي حول المسجد الأقصى في 24 أكتوبر2015، والذي خرج بتركيب كاميرات في المسجد الأقصى، وبثها على الإنترنت، ولم يتوقف المشروع إلا برفضٍ شعبي واسع من قبل الفلسطينيين، وإعلان الأردن إيقاف المشروع  في 18 أبريل 2016.

–   الثالث: الإجراءات الإسرائيلية الجديدة بعد عملية الأقصى في 14 يوليو2017، والذي أظهرت تراجعًا أكبر لدور الأردن ليس في حماية الأقصى وحسب، ورفع سقف الخطاب مع الاحتلال، بل حتى في التفاعل مع محاولات واضحة من الاحتلال لإحداث تغيير جذري في حركة دخول وخروج المصلين من الأقصى، بالإضافة للاعتداءات الأخرى التي طالت المسجد وتطال المرابطين في أرجائه.

 

وقد شكل النسق الثالث من التراجع أبرزها، حيث شكلت الأحداث التي جرت في الأقصى منذ 14 يوليو 2017 نموذجًا صارخًا للانكفاء الأردني عن الوصاية على الأقصى، حتى وصفها متابعون لقضايا القدس والأقصى بأنها وصايةٌ متهالكة بفعل السياسات الإسرائيلية المتتابعة، وتدني السقف الأردني المتسق معها. فمنذ إغلاق المسجد الأقصى في 14 يوليو2017، انحصرت التصريحات الأردنيّة على ضرورة فتح الاحتلال لأبواب المسجد الأقصى، وعدم اتخاذ أي إجراءات من شأنها تغيير «الوضع التاريخي القائم» في القدس المحتلة والمسجد الأقصى، بالإضافة لاتصال طالب فيه الملك الأردني عبد الله الثاني رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بـ «ضرورة إعادة فتح المسجد الأقصى الشريف أمام المصلين»، حتى هذا السقف المنخفض من المطالبة المجردة لم يرُق للجانب الإسرائيلي، حيث خرج وزير الأمن الداخلي في حكومة الاحتلال جلعاد أردان قبيل قرار سلطات الاحتلال إعادة فتح أبواب الأقصى في 16 يوليو2017، برسالة مباشرة ردًا على الاحتجاجات الأردنيّة على إغلاق الأقصى، قائلًا إن «الأقصى بيد الدولة العبرية، وهي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في فتحه وإغلاقه، وإذا ما قررنا القيام بخطوة ما فإننا ننفذها».

وجاءت حادثة قتل مواطنين أردنيين في سفارة الاحتلال في عمان في 23 يوليو2017، لتشكل انعطافًا خطيرًا في مساق الأحداث، وكشفت مصادر إعلاميّة بأن شابًا أردنيًا طعن إسرائيليًا وأصابه بجروح، قبل إطلاق النار عليه من قبل ضابط أمن حماية السفارة، ما أدى إلى مقتل الشاب محمد الجواودة (17 عامًا)، بالإضافة إلى صاحب العقار بشار الحمارنة (58 عامًا) الذي يعمل طبيبًا. وقد أغلقت السلطات الأردنيّة ملف الحادث مبررةً بأن القضية جرت على خلفية جنائية، وأنها قامت على خلفية شجار نشب بين الموجودين في المكان.

ومع التعامل الأمني مع المعطيات، وتضارب المعلومات عن الحادثة، وضح متابعون للشأن الأردني، بأن الأردن اكتسب ورقة ضغط قوية تجاه الاحتلال، مستحضرين حادثة اغتيال القيادي في حركة حماس خالد مشغل في عام 1997، وتعامل القيادة الأردنية والملك الراحل حسين معها، حيث أصبح بإمكان الأردن الحصول على مكاسب كبيرة من احتجاز الضابط، خاصةً أن ملابسات الحادث التي أعلنتها الأردن تدين الضابط الإسرائيلي على الأقل بارتكاب جريمة القتل. ولكن هذه الآمال تبخرت في 24 يوليو2017، حيث غادرت سفيرة الاحتلال عنات شلاين برفقة القاتل حارس أمن السفارة «زيف» الأردن،وجاء تسريب الاحتلال للاتصال الذي جمع رئيس الوزراء نتنياهو مع السفيرة فور دخولهما الأراضي المحتلة، وما حواها من إشارات لاهتمام دولة الاحتلال بالضابط وعدم التفريط به، ومن ثم نشر صور استقبال نتنياهو «العائلي» للقاتل «زئيف» بحضور عنات شلاين، والطابع العاطفي لهذه الصور، وهي جميعها إشارات مهمّة للجانب الأردني، بحماية القاتل وتأمين الخروج الآمن له، والذي يأتي مع إغلاق الملف بشكل تام بالنسبة للأردن.

 

وقد أثار تفريط الأردن بهذه الورقة، وطريقة تعامل الأردن مع الملف سخطًا أردنيًا وفلسطينيًا كبيرًا، وبحسب الأعراف القانونية، كان بإمكان الأردن إدارة ملف القضية بشكلٍ أفضل، خاصةً أمام أدائها المتراجع تجاه الإجراءات التي فرضها الاحتلال على أبواب الأقصى، وقد خرجت تقارير صحفية تفيد بأن إزالة البوابات الإلكترونية تمت مقابل إطلاق سراح ضابط الأمن الإسرائيلي، ولكن سياق الإجراءات الإسرائيليّة يؤكد بأن إزالة البوابات نتيجة للضغط الجماهيري الكبير من قبل المقدسيين.

وأمام الحراك الذي شهده الشارع الأردني والذي وصل للبرلمان، وبعد ثلاثة أيام من خروج القاتل إلى الأراضي المحتلة، طالب الملك الأردني عبد الله الثاني في27 يوليو2017 رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بمحاكمة حارس الأمن «زئيف»، وحذّر من أن أسلوب التعامل مع الواقعة سيكون له أثر مباشر على العلاقات بين الجانبين، ودعا الملك خلال اجتماع مع كبار مسؤوليه نتنياهو للالتزام «بمسؤولياته واتخاذ إجراءات قانونية تضمن محاكمة القاتل، بدلًا من التعامل مع هذه الجريمة بأسلوب الاستعراض السياسي»، وعلق الملك الأردني على استقبال نتنياهو لحارس الأمن بأنه «تصرف مرفوض ومستفز». ومع أن التصريحات الأردنية مهمة، ولكنها جاءت متأخرة كثيرًا، خاصةً بعد خروج القاتل من الأراضي الأردنية، ومطالبة سلطات الاحتلال بمحاكمته، وهي التي لديها تاريخ حافل في تبرئة من يقتل الفلسطينيين أو العرب، وهي رسالة للداخل الأردني لتهدئة الشارع، وإزالة الاحتقان المتزايد، أكثر ما تعتبر تهديدات حقيقة للاحتلال.

ومع إزالة الاحتلال للبوابات ولغالب الإجراءات التي أضيفت منذ الرابع عشر من تموز في 27 يوليو2017، وفتح أبواب المسجد الأقصى أمام المصلين، سيكثر الكلام عن أدوار الجهات المؤثرة وعلى رأسها الأردن خلف الكواليس، ولكن المؤكد الوحيد بأن دور الفلسطينيين وثباتهم لـ14 يومًا متتابعة كان العامل الأهم في هذا القرار، بالتوازي مع غياب شبه كامل للدول العربيّة، وبقاء الأردن في زاوية تنحصر بالتنديد والشجب والمطالبة، وجعل السقف متسقًا مع تراجعاته المستمرة منذ عام 1967. والأسئلة التي ستطرح نفسها بشدة:

 

هل يتخلى الأردن عن الوصاية في قابل الأيام؟،

وهل أصبح من الضروري أن تدخل جهة أو دولة أو مجموعة شخصيات على خط الوصاية بالشراكة مع الأردن؟

وهل سيستمر الأردن في لعب دور الرجل المريض في الأقصى، أم أن صحوته ممكنة؟…

جميع هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها حاليًا على الأقل، وستظلّ ضبابيّة بشكل كبير، أمام المتغيرات الإقليميّة والمحليّة المتسارعة.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

لله درّكم أيها المرابطون في الأقصى

التالي

معركة الأقصى قيادة رشيدة وشعبٌ عظيمٌ

مقالات متعلّقة