هبّة باب الأسباط في ذكراها الأولى: نموذج مقاومة لحماية الأقصى

تاريخ الإضافة الإثنين 16 تموز 2018 - 3:20 م    عدد الزيارات 2499    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

قبل عام من اليوم، فتحت قوّات الاحتلال المسجد الأقصى أمام المسلمين بعد إغلاقه ثلاثة أيّام عقب تنفيذ عملية الجبارين التي أدّت إلى مقتل اثنين من جنود الاحتلال وجرح ثالث. لكنّ الاحتلال لم يفتح المسجد إلا بعدما نصب بوابات إلكترونية على بواباته ليمرّ المسلمون عبرها فتكشف ما قد يحملونه من مسدّسات أو سكاكين أو غيرها ما قد يصلح لتنفيذ عمليّة في الأقصى. تنبّه المقدسيّون لهذا لمحاولة الإسرائيلية التي تهدف إلى فرض أمر واقع جديد في الأقصى يفاقم من عملية خلخلة الوضع القائم التي يرعاها الاحتلال بمستوياته كافّة لفرض معادلة جديدة تجعله صاحب السّيطرة والسّيادة المطلقة على المسجد.

رفض المقدسيّون العبور عبر البوابات، ودفعوا الشخصيّات المقدسية لتكون معهم في معركة لا تقتصر على رفض البوّابات كـ "إجراء" بل كنهج وسياسة، وتوجّه رسائل برفض الاحتلال والمتواطئين معه، ونبذ سياساته والدّاعمين لها. أمام صمود المقدسيّين وإصرارهم، كان على الاحتلال التراجع بعدما حاول المماطلة لكسب الوقت و"الاستعانة بالأصدقاء" للخروج من هذا الموقف بأقلّ خسائر إذ إنّ مزاعمه حول السيطرة على المسجد وُضعت على المحكّ بوضوح.

 

الاحتلال إلى الانصياع، وأزال البوّابات الإلكترونيّة في 24/7/2017، متسترًا بسواد ليل قد يخفي هزيمته في هذه الجولة من الحرب المستمرّة، ووقف شاهدًا على احتفال المقدسيّين بانتصارهم عبر إحياء معادلة إجبار العدو على التّراجع في مواجهة الإصرار والصمود. لا شكّ في أنّ هذه المعادلة شكّلت إحراجًا للاحتلال على مدى تاريخه، وأظهرت مكامن الضعف لديه، كما يظهر، مثلاً وليس حصرًا، في تجربة المقاومة في لبنان وغزّة. وعلى الرغم من أنّ السيطرة على الأقصى في قلب مشروع التهويد الذي يستهدف القدس والاحتلال لن يوقف مساعيه في هذا الإطار على أيّ حال، إلا أنّه لا يمكن فصل التّصعيد الذي يتعرّض له الأقصى عن هبّة باب الأسباط وما أدّت إليه من إخلال في حسابات الاحتلال، ما يمكن أن يفسّر هذا التّصعيد، في أحد اعتباراته، بحاجة الاحتلال إلى إعادة إثبات سطوته على الأقصى وسيادته على المكان، والتحّكم بمداخله ومخارجه، وباحاته ومصلّياته، وروّاده وأهليه.

في المشهد على الأرض تصعيد في الاعتداءات الإسرائيليّة على الأقصى بمكونّاته كافّة، من الاقتحامات وتصعيدها، ومحاولات المستوطنين أداء صلوات تلمودية في المسجد، وعقد القران، والتضييق على وصول الفلسطينيين إلى المسجد في شهر رمضان، إلى الاعتداء على موظّفي الأوقاف، والاعتداءات على مقبرة باب الرحمة، وغيرها الكثير من الاعتداءات التي تتمادى بما يمكن أن يوحي بأنّ الاحتلال مطمئنّ إلى أنّ اعتداءاته لن تؤدّي إلى ردّات فعل لن يكون قادرًا على تقويضها والإحاطة بها، لا سيّما مع استمراره في استهداف ما يمكن تسميته بالبنية التحتية للمقاومة الشعبية المقدسية، بحملات الاعتقال والتّضييق.

 

وفي صدارة الاعتداءات المتصاعدة على المسجد الأقصى عودة الاقتحامات السّياسيّة بعد سماح نتنياهو بعودتها استنادًا إلى تقارير أمنيّة. فاقتحم الأقصى في 8/7/2018 عضوا "الكنيست" أوري أرئيل، وهو وزير الزّراعة في حكومة الاحتلال، وشاران هسكل، من حزب "البيت اليهودي"، لينضمّ اسمها إلى قائمة السياسيين الذين درجوا على اقتحام الأقصى في الأعوام الماضية. في 9/7، أي في اليوم اللاحق، ترافق أعضاء "الكنيست" يهودا غليك وأمير أوحانا من حزب "الليكود"، وشولي معلم-رافائيلي من حزب "البيت اليهودي" في اقتحام الأقصى وأنشدوا النّشيد القومي الإسرائيلي أثناء الاقتحام.

هذه الاقتحامات السّياسية يقابلها تصاعد اقتحامات المستوطنين اليومية للمسجد، حيث أظهرت تقارير عبريّة أنّ عدد الاقتحامات تجاوز 22 ألفًا منذ بدء السّنة العبرية، ولا يقتصر الأمر على الاقتحامات وتصعيدها بل ثمّة تصعيد في محاولات أداء الصّلوات التلمودية في المسجد وعند بوّاباته، وقد بات المستوطنون مسلّحين بمزيد من القرارات من محاكم الاحتلال إن لجهة السماح لهم بالصّلاة عند أبواب المسجد، أو بإنشاد شعارات قوميّة على اعتبار أنّها ليست نصًّا دينيًّا. بالإضافة إلى تكرّر حالات عقد قران مستوطنين في الأقصى مرتين منذ بداية عام 2018، أي أنّ الظّاهرة آخذة بالتّصاعد مقارنة بالعامين الماضيين. وتأتي هذه الاعتداءات وتصاعدها تساوقًا مع نشاط منظمات "المعبد" ودعواتهم المتزايدة إلى السماح بمزيد من الاقتحامات وبتكثيفها، لا سيّما في مواسم الأعياد العبرية، وبتحجيم دور المسلمين وتصدّيهم لاعتداءات المستوطنين، وبالحصول على المزيد من التسهيلات في الوصول إلى الأقصى.

 

ومع هذه الاعتداءات، توسّع الاحتلال في الاعتداء على موظفي الأوقاف من حراس وسدنة، وعرقلة أدائهم مهام عملهم المولجين به، وبالإبعاد عن المسجد، لاستكمال إفراغه من عناصر الحماية بعد إبعاد عدد كبير من المرابطين والمرابطات في إجراءات بدأت عام 2015. كذلك، ركّز الاحتلال استهدافه مقبرة باب الرحمة بعمليات التجريف ضمن مخطّط يطال كامل المنطقة الشرقية من المسجد، حيث يسعى الاحتلال إلى تحويل أرض المقبرة إلى حديقة تلمودية، تتاح أمام المستوطنين لتسهيل وصولهم إلى ساحات الأقصى الشرقية واستباحتها.

هذا بعض من مشهد الاعتداءات على الأقصى، وهي اعتداءات تتصاعد في ظلّ غياب مواقف عربية وإسلامية جدية، وضوء أخضر أمريكي، وحديث عن صفقات وتواطؤات يبرز الأقصى كأحد أثمانها. ومع استعادة معركة البوابات وأجوائها، والمواقف التي رافقتها ومن بينها مواقف عربية أيّدت "حق إسرائيل في الدفاع عن أمنها"، يمكن القول إنّ مواجهة الاحتلال وداعميه ومن معهم أمر صعب ولكنّه غير مستحيل، وهو أمر دونه أثمان، ولكن متى كان النّصر على العدو من دون تضحية ومن دون ثمن!

 

الحرب على المسجد مستعرة، وهي معركة بين معسكرين: حقّ وباطل؛ فالأول هو أهل الأقصى والمدافعون عنه كلّهم، والآخر هو الاحتلال وكلّ من يعينه ويدعمه. وإنّ معركة البوابات نموذج لانتصار الحقّ على الباطل بالوعي والإصرار والصّمود، ومعركة البوابات كانت بابًا للصمود، وبوابة للثبات، وعنوان إسقاط مشاريع التهويد في الأقصى، والقدس، وكلّ فلسطين.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

الإيمان بالمقاومة والعمل بنقيضها: هدم منطق سحب الذريعة

التالي

خمس عبر مستفادة من هبّة باب الأسباط

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

السالكون في طريق الشهادة

الخميس 13 كانون الأول 2018 - 4:45 م

هناك على هذه الأرض المباركة تشتعل معركةٌ من نوع آخر، معركة صبرٍ وثبات وعقيدة، معركة تشكل إرادة المواجهة عنوانها الأسمى والأمثل. فكسر القواعد المفروضة وتغيير الواقع المفروض عليهم، هي أبرز التجليات لأفع… تتمة »

براءة درزي

أشرف الموت قتل الشهادة!

الخميس 13 كانون الأول 2018 - 1:40 م

استشهد المطارد أشرف نعالوة الليلة الماضية في اشتباك مع قوات الاحتلال في مخيم عسكر الجديد شرق نابلس. استشهاد نعالوة يأتي بعد 65 يومًا من مطاردته وملاحقته من قبل قوات الاحتلال التي سخّرت عتادها وعديدها … تتمة »